Sunday, January 1, 2017

العبرة في البدايات!

تنال المجتمعات الإنسانية صفاتها الأساسية من مجمل صفات أفرادها؛ فتتطوّر بتطوّرهم، وترقى برقيّ فكرهم  ووعيهم وسلوكياتهم التي تحرّكها ثقافة قيمية مميزة وصلبة. لذلك إن كنّا نبحث عن معجزة تقلب الأحوال علّنا نعيش يوماً ما ضمن مجتمع حضاريّ له مكانته على الخارطة العلمية والإقتصادية والسياسية حكماً، فلننظر في المرآة، ولننشئ تغييراً.


ومع عودة بدايةٍ جديدةٍ لعامٍ جديد، من المهمّ أن نستغلّ ذاك الحماس المشتعل في داخلنا- رغم محاولتنا إطفائه كي لا تخيب آمالنا كما سبق-  لتغيير عاداتنا وطرائق تنفيذنا للأمور من أجل بداياتٍ أجمل، رحلاتٍ أمتع، ونهاياتٍ مرضية أكثر.
فلنستحضر إذاً صندوق الأدوات التي سنحتاجها في العام الجديد:

1- اهتم بنفسك أوّلاً: 

كما يقال: لا يمكنك السكب من إناءٍ فارغ


 لكن لأنّنا في مجتمعات دول عالم ثالث (أو عاشر ربما) ووسائل الترفيه محدودة في ظلّ انشغال العقل في التفكير المتواصل بكيفية تأمين الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب ورعاية صحية ومعيشة .. ومع ضعف الخدمات الأساسية من مصادر حكومية، يبدو الأمر شبه مستحيل، أليس كذلك؟

كلّا.

المشكلة تماماً هي في عقليّتنا التي تنظر للموضوع وكأنّه محصور بما نحن محرومون منه، بالنصف الفارغ من الكوب الشهير. والحقيقة أنّ النفس مهما تعبت لكنّها تستكين بالأمور البسيطة المعنوية التي تعرفها عن نفسك جيداً:

انهض من أمام الحاسوب، اترك العمل وارتح إن أحسست بالتعب.
عبّر عن مشاعرك ولا تكبتها في نفسك ظانّاً بأنّها لن تحفر فجوةً في قلبك!
 تذكّر هوايات الطفولة التي هجرتها ظانّاً بأنّ هذه إحدى مراسم بلوغ سنّ الرشد والكآبة، أعدها إلى روتينك الحياتي وستشعر بالفرق.
 تنزّه في الطبيعة، ابتع طعامك المفضّل، اشترٍ قطعة الثياب التي تظنّ أنّك إن ارتديتها ستزيد ثقتك بنفسك وستعبّر عنك أكثر، أسعِد إنساناً محتاجاً للسعادة أكثر منك، ستكفيك ابتسامته الشاكرة لمدّة طويلة!

أرِح نفسك .. أعطِ نفسك الفرصة لتعيد الشحن ثمّ ستتفاجأ بالإختلاف الكبير الذي سينشأ على نفسيّتك وهمّتك.

 2- لا تضع أهدافاً، خطّط


في نهاية كل عام، تمتلئ مواقع التواصل الإجتماعي بمنشورات ساخرة عن فشلنا في تحقيق الأهداف التي وضعناها في بدايته، فهل يكمن الخطأ في وضع الأهداف؟ بالطبع لا، الخطأ في وضع أهداف دون تخطيط، فالأمر أشبه بتحديد وجهة السفر ثم الانطلاق في عرض البحر دون خريطة ولا بوصلة ولا مؤونة، ثم نستغرب لمَ لَم نصل لوجهتنا.
وفي هذه النقطة عدّة جزئيات:



- التخطيط مسألة جدّيّة: لا تكفي خربشة بسيطة على ورق في وقت فراغٍ لرسم خطّة تصلح لتحقيق هدف.

- القاعدة الأولى في التخطيط: اصرف أياماً على التخطيط لتتفادى أخطاءً قد تتطلّب شهوراً للتفكير بها وحلّها.

- اصبر على حلمك: من ضمن محاور التخطيط الاستراتيجي أو إدارة المشاريع محور الوقت. لا تتخلّ عن حلمك إن ارتأى لك أنّ تحقيقه سيأخذ وقتاً طويلاً. فالمعجزات وحدها تحدث بتلقائية.

- عندما تضع كلّ العوامل المؤثرة في هدفك أمامك في خطّة ودراسة واضحة، ستزين أحمالك، أي ستعلم مدى جهوزيّتك لهذا الهدف، وقد تتعلّم أيضاّ بعض أسباب فشل محاولاتك السابقة، وهكذا تصبح قادراً على حلّها وتقوية مكامن ضعفك لتقلع من جديد!


3- تعلّم مهارة جديدة:

سواءً لحياتك الشخصية أو المهنية، المهارات ثروة مفقودة. فالمعلومات التي تحصّلها في زمن أصبحت فيه المعرفة مشاعاً لوحدها لا تكفي، وقراءة الكتب عن المهارات لا يجعلك متمرّساً فيها، ابحث عن فرص لتعلّم مهارات جديدة وسارع في التمرس عليها، ومن ثمّ علّم غيرك.
وقد تكون محظوظاً بما يكفي لتنهل العلم والمهارة من أحد روّادها أو المتمكّنين المتعمّقين فيها.



ومن المهارات العامّة المهمّة التي يُنصح تعلّمها بشكل سليم: إدارة الوقت، التخطيط الاستراتيجي، التدبير المالي، كتابة سيرة ذاتية بشكل محترف، فن التواصل والتعامل مع الناس (وعلم النفس الإجتماعي لهواة علوم النفس والإجتماع)، الإسعافات الأولية المنزلية وغيرها من المهارات المطلوبة في حياتنا اليومية لنتفادى الوقوع في أخطاء قد تكلّف غالياً.



أمّا المهارات المتخصّصة فأساسية لتستطيع مواكبة المنافسة القوية جداً في سوق العمل. لا تتردّد في استثمار وقتك وجهدك ومالك في تطوير مهاراتك المهنية في مجال تخصّصك فهذا سيزيد من خبرتك وسيعطيك قيمة إضافية في ساعة التوظيف.

4-  تعلّم لغة العصر:



تقع هذه النقطة في خانة المهارات لكنّها تستحقّ مقطعاّ منفصلاً لأهميتها. إنّ اللغة هي أساس التواصل المعرفي بين الشعوب، وبما أنّنا تخلّفنا عن ركب التطوّر العلمي والحضاري في القرون الماضية بات حكماً علينا إن أردنا الإرتقاء على سلّم التطوّر الحضاري وإعادة بناء مجتمعات واعية أن نتعلّم اللغة الإنكليزية. أغلبية المحتوى المعرفي على الإنترنت هو باللغة الإنكليزية. ناهيك عن أهميتها على سيرتك الذاتية فعالم الأعمال قائم على العلاقات العابرة للقارّات والتي تعتمد في تواصلها ومعاملاتها عبر البريد الالكتروني على اللغة الانكليزية.
أضف إلى ذلك أهميتها في أبسط الأمور، في قراءة وصفة طبية، أو التواصل في بلاد أجنبية أثناء السفر أو حتى قائمة المأكولات في كثير من المطاعم!
تأكّد بأنّك عندما تتعلّمها، أو تتقوّى بها إن كنت تعلّمتها خاصّة في مجال تخصّصك، ستحسّ كما لو أنّ أبواباً من المعرفة والفرص قد فتحت أمامك.

5- خذ حاجتك من كنزٍ علميّ مجّاني:

الثورة الكبيرة في عالم التعليم التي لها من الفوائد ما لا يمكن حصره. إنّه عالم الدروس الجامعية المجانية على الانترنت MOOC من أهم جامعات العالم وأكثرها ريادةً في الاختصاصات المتعدّدة. يكفي بأن تنشئ حساباً على مواقع كـ coursera.org أو edx.org وغيرها ليتفجّر أمامك نبع من العلم، حتى أنّ بإمكانك الحصول على شهادة بإتمامك المقرّر بنجاح لقاء مبلغ بسيط!




طبّق هذه الأداة لتحقيق أهدافك وتقوية ثغراتك وإضافة قيمة كبيرة إلى جعبتك المعرفية والمهنية.

6- غيّر نظرتك للواقعية:

إن كنت من الناس الذين يظنّون بأنّ الواقعية هي أن نتمسّك بالسلبيات كي لا نبالغ في التفاؤل، فهذا غلوّ.
 الواقعيّة هي أن نطّلع على الواقع كما هو بحسناته وسيئاته، بجماله وقبحه، ثم نختار لنا مكاناً فيه. 


وفي عالمنا العربي، لا شكّ بأنّ الظلمات أحاطت بنا من جوانب عديدة، لكنّ الحقيقة كذلك -إن اطّلعت عليها كاملةً إلى حدّ ما - بأنّ إبداعات لا حصر لها تخرج من أحضان المعاناة، والشباب في عالمنا ينجزون ما لم ينجزه غربي ان قارنّا المنتج والظروف، والأخبار تنبئ بموجة ثوريّة فكرية تعصف بأذهان الشباب العربي، تولّد مفكّرين عظام، وتنشئ جيلاً واعياً ذكياً جاهزاً للإعمار. عليك فقط أن تبحث عن هذه الأخبار في مكانها المناسب، وتكون جزءاً منها.

7- انتقل من ردّ الفعل إلى الفعل:


غالباً هذه هي النقطة الأصعب لا لشيء سوى أنّها جزءٌ من عقليتنا الجمعية، فنحن شعب توقف عن سلسلة التفكير والمبادرة ثم الانجاز المستقلّ منذ عقود طويلة، واعتدنا ان تكون افعالنا بمجملها ردّات فعل عابرة على المجريات، لا أكثر. ننشغل بلوم الظروف بدل النقد الذاتي البنّاء والبحث عن الحلول والتخطيط للمشاكل المستقبلية.  فالحضارات لا تبنى على الانفعالات والأفعال الآنية التي تستجلب عزمها من الأحداث المحيطة وتختفي باختفائها. الحضارة تبنى على الرؤيا والرسالة وحمل القيم الراسخة التي تدفعنا للتخطيط الإستراتيجي والمستدام، وصولاً بشكل تدريجي إلى خلق مشروع حضاري ضخم يرقى بالإنسان أولاً وأخيراً.



عاماً سعيداً!

Saturday, November 12, 2016

في حربنا مع البكتيريا.. البكتيريا تنتصر!

من منا لا يعرف البنسلين Penicillin؟ الدواء المعجزة الذي شفي بسببه ملايين الناس من أمراض وأوبئة فتّاكة منذ اكتشفه ألكسندر فليمنغ عام 1928من القرن الماضي، والذي ساهم في قلب موازين الحرب العالمية الثانية بسبب مساهمته العظيمة في معالجة جرحى جنود الحرب من العدوى والالتهابات التي كانوا قبله يذهبون ضحيّتها.
 
لقد كانت المضادّات الحيوية على مرّ عقود طويلة سلاحنا الأكثر فتكاً بالبكتيريا المسبّبة لأمراض خطيرة كالكوليرا والديفتيريا وحمّى التيفوئيد والطاعون والسلّ ومرض الزهري والتهابات السحايا وتسمّم الدم، وغيرها العديد من الأمراض التي استنزفت البشر لقرون طويلة.
 
لكنّنا اليوم نقف على شفا حفرة من خسارة هذا السلاح العظيم بسبب العبثية في استخدامه والتي أدّت بنا إلى مواجهة بكتيريا مقاومة لجميع أنواع المضادات الحيوية، وقف أمامها الأطباء والباحثون عاجزين تماماً. وقد أعلن الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما في آذار 2015 عن إطلاق برنامج وطني لمكافحة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية معتبراً إياها تهديداً للأمن القومي.
 
وقد صرّح قائلاً "إن المضادات الحيوية الفعالة هي جزء حيوي للحفاظ على أمننا القومي، إنها تنقذ حياة جنودنا الجرحى في معاركهم، وتمنع انتشار العدوى في مجتمعاتنا، وهي سلاح محوري لمواجهة الإرهاب البيولوجي. إنها، ببساطة، ضرورية لضمان صحة شعبنا وشعوب العالم في كل مكان، لذلك علينا أن نعمل بكلّ ما أوتينا من قوة لضمان بقاء المضادات الحيوية بفاعليتها. لقد أنقذت هذه الأدوية العظيمة عدداً لا يحصر من البشر خلال القرن الماضي، وقد حان دورنا لنحرص على إبقاء دورها في إنقاذ الناس لسنوات أخرى قادمة".
 
وحقيقة أن يصبح ذكر البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية أمراً متداولاً في المحافل الدولية كأزمة تهدّد البشرية لهو أمر جلل ينذر بأزمة عظيمة.



لكن ما هو المضاد الحيوي؟
المضاد الحيوي هو مركّب كيميائي يستهدف جزءاً محدداً من إحدى العمليات الحيوية الأساسية في الخلية البكتيرية ليعطّلها ويسبّب بذلك إيقاف نموّها و/ أو قتلها.
 
كيف تصبح البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية؟
إنّ البكتيريا مخلوقات عظيمة تتمتّع بقدرة كبيرة على التطوّر والتكيّف بأقل خسائر ممكنة. ويترجم ذلك واقعياً بطفرات جينية في شريطها الوراثي الطبيعي، أو اكتساب جينات وصفات خارجية من خلايا بكتيرية أخرى تساعدها على مقاومة الضغط الذي تخضعها له المضادات الحيوية. نوه من التعاضد الاجتماعي البكتيري ضدّنا، مؤامرة جرثومية.
 
ويظهر أنّ مؤامراتهم تنجح إذ أن البكتيريا تصبح في نهاية المطاف مسلّحة -بشكل طبيعي أو مكتسب- بجينات تعطيها خصائص تقاوم تأثير المضاد الحيوي عليها. ومن الأمثلة على ذلك إفراز نوع من الإنزيمات التي تكسّر المضاد الحيوي وتجعله غير فعّال إطلاقاً، أضف إلى ذلك أنها تتسلّح بـ "مضخة" تضخ المواد الضارة لها -ومن ضمنها المضاد الحيوي حكماً- إلى خارج الخلية! كما وتستطيع أيضاً تغيير أو التخلّص من "البوابة" التي يستعملها المضاد الحيوي للدخول إلى داخل فريسته.


 
لكن ما الأخطاء التي أدّت بنا إلى هذه الحال؟ يمكننا تقسيم الأخطاء إلى ثلاثة مصادر: الطاقم الطبي، الجهات الحكومية، والأهم، المواطن العادي.
 
1- الطاقم الطبي:
وتتلخّص الأخطاء في هذا الإطار في الإسراف بوصف الأطباء للمضادات الحيوية لمرضاهم حتى عندما لا تستدعي الحالة الطبية ذلك، كأمراض فيروسية مثلاً كأغلب حالات الزكام، أو الأمراض التي تكون بالفعل بكتيرية لكنها تشفى من تلقاء نفسها، إذ يحبّ بعض الأطباء أن يتناسوا دور جهازنا المناعي الجبّار في القضاء على الجراثيم إلى حد معيّن.

هذا بالإضافة إلى تقصير الأطباء في الاطلاع الدائم على الإحصاءات التي تبيّن التغيّرات في حساسية البكتيريا المسببة للأمراض المعدية تجاه المضادات الحيوية في بلادهم والرقعة السكانية التي يطبّبونها. أضف إلى ذلك الصيادلة الذين يصفون المضادّات الحيوية لزبائنهم وهم لا يحقّ لهم مهنياً تحرير وصف طبية مكتوبة أو شفوية! ناهيك عن بيع المضادات الحيوية للمريض دون وصفة طبية من طبيب مسجّل لدى الجهات الحكومية.
 

2- الجهات الحكومية:
إنّ من واجب الجهات الحكومية تأمين الدعم الكافي للمرافق الصحيّة لتوفير الرعاية والاستشارات الطبية بأسعار معقولة حتى لا يضطر المواطن "لتطبيب نفسه بنفسه" أو الإستعانة بآراء غير المختصّين لأن الحال لا تسمح بأكثر من ذلك! وقد أهملت حكومات الدول النامية كل المعايير الدولية المتعلّقة بتشريع قوانين تجرّم العبثية بوصف وبيع المضادّات الحيوية، التي قد تصل إلى إقفال صيدلية بالشمع الأحمر في بلدان كوكب أوروبا الشقيق! أضف إلى ذلك التقصير الكبير تجاه العامّة بنشر التوعية حول استعمال الأدوية والمضادات الحيوية بشكل صحيح ينفع ولا يضرّ.
 
3- المواطن:
عزيزي المواطن، تذكر عندما ارتفعت حرارتك لأكثر من يومين فتناولت أقراصاً من المضاد الحيوي من على رف الأدوية في البيت حتى شعرت بتحسّن بعد يومين أو ثلاثة؟ لا تفعل ذلك مجدداً. أتدري أنّك لم تقضي على البكتيريا -هذا إن كان سبب المرض هو بكتيريا وليس فيروس أو طفيلي مثلاً!- بل قمت وضع ضغط عليها ثمّ أزلت الضغط عنها حالما شعرت بتحسّن مما أعطاها الفرصة لاكتساب مقاومة ضد الدواء الذي استعملته ضدّها؟ تأكد عزيزي المواطن، بأنّ الجرعات التي سنصح بها الطبيب أو الصيدلي ليست اعتباطية بل هي نتيجة أبحاث مضنية إن خالفتها تسبّبت شيئاً فشيئاً في عواقب لا تُحمد.

ختاماً، يبدو أنّ الموجة الحالية تنبّئ بزوال قريب للمضادات الحيوية كسلاح في معركتنا ضد البكتيريا المسببة للأمراض المعدية، وسننتقل إلى حقبة ما بعد المضادات الحيوية بأسلحة جديدة ما زالت أفكاراً قيد التطوير من قبل الباحثين، عسى أن نستطيع من الآن إلى وقت تصريفها في السوق أن نطيل بأعمار مضاداتنا الحيوية ولا نخسر الكثير من الأرواح.
 
دامت الجراثيم الشريرة عن أجسادكم بعيدة!

Sunday, September 11, 2016

في الأضحى .. عبوديّة!

عيد الأضحى .. 

من أكثر المناسبات الإسلامية "طقوسية"، وطقوس الأضحية مستوحاة من قصة خليل الله إبراهيم الذي ابتلي أيّما بلاء ..
تأتي الآيات التي تحكي قصة الذبح والفداء بعد قصّة إبراهيم مع قومه وتحطيمه أصنامهم، متحمّلاً كلّ العواقب، والقذف في النار والتعذيب، فأيّ موقف أشدّ من هذا إثباتاً لإيمانه؟
(إنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ )

(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ *)
ورزقه الله تعالى بالغلام الحليم الصالح، ثمّ ابتلاه فيه،
( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)
وارتاب إبراهيم من المنام، وظنّ أنّه من الشيطان لهول ما فيه، فاتّجه إلى ولده يسأله:
( فَانظُرْ مَاذَا تَرَى)
يظهر لنا الله تعالى في سرده لنا لهذه الجزئية عظم الموقف وقوة وقعه على نبيّه إبراهيم الحنون على ولده ككل البشر، وكم يؤسفنا أن نرى كيف أنّ كثيراً من المفسّرين يتغافلون عن الجانب البشري للأنبياء في الابتلاءات العظيمة ..
( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ )
تأكّد لإبراهيم أنّ المنام أمر من الله وأقبل عليه في القصّة المعروفة.
لكن ما يستوقفنا هو موقف ولد إبراهيم (الذي ترجح الروايات أنه إسماعيل عليه السلام)، ما هذه الصياغة الحانية! الولد يحنّ ويعطف على أبيه ويعرف هول الموقف عليه، ويقبل بتنفيذ الحكم عليه ما دام من الله، ويعده بأن يصبر على الألم! فهو يعلم معنى منام النبي، وهو مؤمن بالله الواحد الرحيم، لم يشكّك في الأمر، ولم يعمل العقل ليقول بأن ما كان لله أن يأمرنا بمثل هذا، فالقرابين في وقتها كانت رائجة في الديانات السائدة ..

( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)
أسلما .. أسلما أمرهما لله، فالأب يسلم أمره ويعضّ على الجرح راضياً، والابن مستسلم لسكين أبيه تنفيذاً لأمر الله .. وأيّما تسليم .. أيّما عبوديّة!
 ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)
قد صبرت وأسلمت وصدّقت الرؤيا يا إبراهيم، قد وصلت إلى أعلى درجات الإيمان فاستحققت أن تكون من المحسنين.
 ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ)
 ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)
إنّه من عباد الله المؤمنين ... عبوديّة ... إيمان ...


إن كان من الضروري أن نختار أكثر أمر يميّز الأديان السماوية، والإسلام على وجه الخصوص، بإيديولوجيته العقائدية فسيكون غالباً متمحوراً حول مفهوم "العبوديّة" ، وكل مواصفاتها، وآدابها، وحدودها.
كيف لا، وشعار الإسلام هو توحيد العبودية، وتوجيهها لمعبود واحد مع استثناء كل ما سواه عن هذه الأحقية: لا إله إلا الله.
ويلاحظ أن كل قصص الأنبياء والصالحين والدروس المستفادة منها تدور في فلك الإيمان الذي ينتج العبودية تحصيلاً حاصلاً.
فالإيمان هو ما وقر في القلب من تصديق متسامٍ عن المادة والتفصيل والتعقّل الزائف الذي يدّعي الكمال ويتهم ما سواه بالنقص. هو التصدسق بكلّ الجوارح وهو مكمن الدوافع التي تؤدي بالإنسان إلى الدفاع عما يؤمن به، أو تمثيله كما يجب، أو بالإخلاص في ممارسة ما ينص عليه.
أمّا العبودية فهي تتضمّن الحقل المعجمي لكل ما يتعلّق بالعلاقة بين عابد قبل بها ومعبود استحقها. وهذا يشمل الإيمان بالمعبود وبأحقيته بالعبادة دون سواه وبصفاته التي يتعالى بها على كل مخلوق، ومن جهة أخرى يتضمّن الأفعال التي يقوم بها العبد من باب التقرّب والتعرّف إلى ربّه أكثر من شعائر وطقوس وأعمال صالحة، ونيّات طيبة، وإدراة مستمرة للصراع الدائم بين الإنسان ونفسه التي لا تنفكّ تشجّعه على ترك اليقين إلى الشكّ والريبة.
إذا ً فالعبودية تتضمّن حتماً كيفية التعامل مع الحياة وعناصرها المختلفة انطلاقاً من كوننا عباداً لإله يتّسم بصفات معينة فيحبّ منا أموراً ويكره أخرى كلّ في كتاب مبين.
وعلى عكس عبادة المخلوق، فإن عبادة الخالق تحرّر وفيض من الرحمة والنورانية، ففي عبادة الواحد الأحد المتفرّد بعظمته وجلالته مفتاح لترتيب الأولويات بشكل سليم وواضح، فلا المال فوق النزاهة أو صلة الرحم أو جبر القلوب، ولا التفاخر في العمران فوق بطون الفقراء الخاوية، ولا الشهادات فوق الأخلاق، ولا الحذر فوق الاندفاع لمساعدة محتاج، ولا الغضب والفحش فوق ضبط النفس واللسان، ولا تجزيء للمبادئ ولا مساومة عليها.
والأهم من ذلك، لا سلطان لل"ايغو" على علاقتك بخالقك، خاصة ذاك الذي يهمس في أذنك ليل نهار بأنّك صاحب العقل المعجزة القادر على الفهم والتحليل، والذي يستطيع فهم مكامن الأوامر والنواهي الإلهية وتمحيصها ثمّ تفنيدها وترتيبها إلى "مهم" و "غير ضروري"، وبعد ذلك يبرّر فعلته بكلّ عنجهيّة قائلاً: أليس العقل ما يميّز الإنسان والله يأمره بالتعقّل والتفكّر؟
العقل! أكبر آيات الله التي جعلها فينا أداة للتفكّر في خلقه والتقرّب منه والتواضع له، عندما نسرف في استخدامه لحدّ مفسد يصل بنا إلى إخلال التوازن بين الروح والمادّة، بين الماورائي والموجود، بين الإيمان والبرهان.
والحقيقة أنّ الهرم انعكس، فالإيمان بالخالق العظيم يستوجب اشتغال العقل لا في سبيل التشكيك (والتصحيح!) أو من باب التفكير النقدي، أينتقد المخلوق خالقاً آمن به وبكتابه؟ أم أن الحكمة تقتضي أن يوظّف العقل وفكره النقدي لفهم أعمق، وتصحيح مسار الأفكار المغلوطة التي أتى بها بشر آخرون وأضيفت باسم الدين وما أنزل الله بها من سلطان.
يجيء عيد الأضحى، ليذكّرنا بأننا عباد الله له مسلمون، له طائعون، مكرّمون، نخطئ ونزل ونخضع لغرورنا وتأخذنا العزّة بالإثم، ثمّ نتوب ونعود، ونتذكّر أن ما في الدنيا إلا حياة نعيشها مستمدّين كل أفعالنا وأساليبنا من عبوديّتنا لإله رحمن رحيم.
ربّنا اغفر لنا إسرافنا في ديننا وغرورنا في تعاملنا مع شريعتك التي ارتضيتها لنا لما فيه خير لنا في دنيانا وآخرتنا .. وارزقنا إيمان وعبوديّة إبراهيم وولده .. وألحقنا بالصالحين ..

Sunday, June 12, 2016

كنتم خير أمة .. !

} كنتم خير أمة أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر وتؤمنون بالله {


 ليس من الضروري أن أقول بأننا لم نعد "خير أمة أُخرجت للناس".  
ولن ندخل في معمعات التحليل الإجتماعي والإقتصادي والديني ، بل يكفينا أن نتوقّف عند هذه الآية ومدلولاتها كي نفهم حقيقة الواقع الذي نعيشه، فهي أساس كلّ التشعّبات الأخرى.

خير أمّة،
أفضل أمّة فيما بينها، متكاتفة تحكمها القيم والمبادئ، مجتمع صالح متعاون فيما بينه، يحمل الخير لنفسه ولجميع الناس من الأمم الأخرى . خير أمة إذاً هي أمّة خير في نفسها ، وأمة خير للآخرين. كالنور، نور في نفسه وينير ما حوله، نور على نور.
خير أمّة أخرجت، ليس من الناس فقط .  بل لهم ، أخرجت للناس لتكون قدوة، لتعمّر لا لتدمّر. أمّة إحتوائية لا إقصائية، تسعى لنشر الخير وإرساء القيم .

لكن، كيف ذلك؟ ما هي أهمّ صفات هذه الأمّة؟

} كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {

1-      تأمرون بالمعروف:
والمعروف هو اسم لكلّ فعل يُعرف حسنُه بالعقل أو الشرع. وخلافه المنكَر. تكونون خير أمّة عندما تتواصون بفعل الخير وإرساء القيم وتحكيم المبادئ التي أنزلها الله تعالى، من أجل الإرتقاء بأفراد المجتمع.


2-      وتنهون عن المنكر:
تنهون بعضكم عن ما حرّم الله، وكل ما يُعرف أنّه ضارّ بالفرد والمجتمع، في صحته وبيئته وسلامته ومصلحته العامّة.
(وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)
(والعصر . إنّ الإنسان لفي خسر . إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وتواصوا بالحقّ . وتواصوا بالصبر )
(أرأيت الذي يكذّب بالدين . فذلك الذي يدعّ اليتيم . ولا يحضّ على طعام المسكين . فويلٌ للمصلّين . الذين هم عن صلاتهم ساهون . والذين هم يراؤون . ويمنعون الماعون)
مجرّد الإمتناع عن الأمر بالمعروف كالحضّ على إطعام المساكين يعتبر خطيئة!

ولا ننسى هنا جزئية مهمّة في موضوع الأمر والنهي ألا وهي الأسلوب رحمكم الله.
(ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة)
بالحكمة أي بالعقل، أوضح له خير ما تأمره به، وشرّ ما تنهاه عنه، وليكن ذلك بأسلوب حسن ليّن سلس.
ولتخلص النيّة لله، فلا يكون في قلبك أو أسلوبك تعالٍ على خلق الله، بل لأنك تعلم بأنّ الحياة رحلة لها نهاية، وبعدها حساب، تريد أن تأخذ بأيدي من حولك لتذهبوا جميعاً إلى مكان جميل على سرر متقابلين . وهذا يتطلّب منك أيضاً أن تتقبّل النصح منهم وتتقبّل الإرشاد عندما تخطئ أو تسهى.

ولا تنسَ قوله تعالى : (أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)
إنّ المجتمع الذي يقوم على هذه الثنائية لن يقع في مصائب تدمّره، بل يبقى كالنسيج المتماسك المتناغم، فيه اختلاف محمود ضمن هامش يضيف الغنى إلى المجتمع، ويضفي عليه ألواناً تجعله أزهى وأكثر إنتاجية.
3-      وتؤمنون بالله:

الإيمان بالله تعالى يعني الإيمان برسالته التي أرسلها مع رسله الى العالمين . رسالة الإيمان به وباليوم الآخر، وبكل المبادئ التي نحتاجها للعيش بطريقة صحيحة. أقول صحيحة ولا أدخل في نقاشات سفسطائية من نوع ان الصحيح نسبي ويختلف من شخص لآخر (سنفصل في هذه الجزئية لاحقاً على أية حال).
فقد أرسل لنا الله تعالى الرسل ليرونا الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إيّاه في كلّ ركعة من صلواتنا.

 ولعلّ القصة تختصر في الآية:
 } كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البيّنات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم{ .
أنظروا أيضاً كيف تعلّق الإيمان بالنهي عن المنكر، لا بل وتغييره:
(من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)

ماذا حصل لنا حتى كسرنا هذه المعادلة ولم نعد "خير أمّة أخرجت للناس" ؟

نحمد الله على وجود فئة من الناس ما تزال تضع حداً للمنكر بيدها ولسانها، وتأمر بالمعروف، فالدنيا لا تخلو من الخير وأصحابه. 

لكن النسبة الكبيرة التي تتجاهل الموضوع وتقرر أن لا تتدخل، أن لا تدخل نفسها في مشاكل، أن تبقى سلبية تجاه الأحداث من حولها، هو أمر خطير جداً. أمر خطير لأنه يعني أن الخوف أو اللامبالاة يطغيان على المبادئ والقيم.  ما دام تدخلك في موقف ما سيحدّ من ضرره فاعتبره واجباً عليك وليس خياراً، ما دمت تستطيع .
عندما تصبح عبارة "أنا حرّ يا أخي أفعل ما أريد" قادرة أن تسكتك عن اتخاذ فعل لرد قائلها عن أمر خاطئ يقوم به، فاعلم ان لديك مشكلة في فقه الأولويات.  وأن نوراً في داخلك قد انطفأ.

وهذا يوصلنا الجدل القائم حول الحرّية الشخصيّة وتعارضها مع ثنائية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أولاً ، الحرية التي يتشدق بها المتأثقفون ليل نهار، ما إن أصبح تعريفها يعطي وازعاً للبعض بأن يقوم بما يضر ولا ينفع، فاعلموا بأنه تعريف مضلّل . 

الحرّية لا تعني أن تقوم بما تريد وقتما تريد. الحرية لا تعني أن تعيش كالبهيمة بين الناس. حتى البهائم التي تعيش في مجموعات تنصاع لقوانينها ولا أدري إن كانت تدرك أهمية هذا الانضباط والانصياع.
الحرية، هي ان لا يجبرك انسان على ان تفعل ما لا تريد. هي ان لا يسلبك أحد حقاً من حقوقك المستحقة لك كونك إنساناً. الحرية تكليف وتشريف، لأنها مسؤولية عظيمة، إن أسأت استغلالها ساهمت في الخراب، وإن أحسنت ساهمت في البناء.

ليس التحضّر أن تترك للناس ان تقوم بما هو خاطئ ولا تتدخّل أنت . ليس التحضّر والحرية ان تترك الناس تعيش كعنصر مخرّب في المجتمع الذي أنت جزء فيه . قد يجادل البعض بأن هذا الشخص حرّ فيما يفعله لنفسه ما دام ضرره لا يتعدّى فرده، قد لا تستطيع التدخل في هذا . لكن مهلاً . نحن "أمّة"، نغار على بعضنا البعض من الخطأ . وإن لم تكن هنالك من عقوبة لمن يضرّ نفسه تبقى النصيحة واجبة بأصولها وآدابها .
أضف إلى ذلك بأن المعروف والمنكر أمور غير مبهمة ، غير خاضعة لفلسفة سفسطائية تقول بأن الكلّ على حق لأن الفرد يرى الأمور من منظاره الخاص المتأثر بعوامل عديدة وبالتالي لا يوجد صواب وخطأ بالمطلق!
لعلّهم كانوا سيكونون على حق لو لم ينزّل الله رسله وكتبه ليعلّم الناس الحكمة والمبادئ التي يقيّمون على أساسها .
الفضائل -و عكسها القبائح-  أمور مطلقة تعرف بالقيم . والحرّية قيمة . فكيف يتعارضان؟


أنظر عزيزي القارئ وتفكر في سياق الآيات: 

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) 

الدعوة إلى الخير والمعروف. والنهي عن المنكر، هو لتوحيد صف الأمة وليس لتعزيز الإختلاف فيها، هو للتشجيع والإرتقاء الجماعي ، فالمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى كما أخبرنا رسولنا الكريم . بنيان واحد . كل فعل سلبي كان أم إيجابي تقوم به كفرد سيؤثر في الجماعة التي أنت جزء منها . وسيعود الأثر عليها . 

الله تعالى يريد أن يعلمنا كيف نكون مواطنين مسؤولبن وأعضاء فاعلين ايجابيين في مجتمعنا ، نساهم في الخير ونردع الشر ونترك أثراً طيباً .


أختم كلامي بآية أخرى مكمّلة لما سبق:
(وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)

عزيزي القارئ، ساهم أنت بنفسك بعائلتك بتربيتك لأولادك أن تكون صاحب مبدأ . أن تعرف المعروف والمنكر ثم تطبّق الآية على نفسك فتأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر ، قبل أن تطبّقها على الآخرين أيضاً .


صورة توضيحية من تصميمي


#الصدمة
لا أدري إن كنتم تتابعون برنامج "الصدمة" الذي يعرض الآن في شهر رمضان المبارك. لمن لا يعرفه، هو برنامج تلفزيوني عبارة عن كاميرا خفية، تصوّر مشهداً تمثيلياً جدلياً في مكان عام، لتلتقط ردات فعل الناس تجاهه - او انعدامها.
من الأمثلة على هذه التمثيليات رمي الأوساخ في مكان عام، سرقة مال من رجل كفيف، سوء معاملة ابن لوالده العجوز، عنصرية ضد ذوي الاحتياجات الخاصة او الخادمة ... الخ.
فكرة البرنامج رائعة، ودلالاته اكبر مما نعتقد.  ومتابعته كفيلة بإظهار الخلل عندنا حتى ما استحققنا أن نكون "خير أمة أخرجت للناس" .