Sunday, June 12, 2016

كنتم خير أمة .. !

} كنتم خير أمة أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر وتؤمنون بالله {


 ليس من الضروري أن أقول بأننا لم نعد "خير أمة أُخرجت للناس".  
ولن ندخل في معمعات التحليل الإجتماعي والإقتصادي والديني ، بل يكفينا أن نتوقّف عند هذه الآية ومدلولاتها كي نفهم حقيقة الواقع الذي نعيشه، فهي أساس كلّ التشعّبات الأخرى.

خير أمّة،
أفضل أمّة فيما بينها، متكاتفة تحكمها القيم والمبادئ، مجتمع صالح متعاون فيما بينه، يحمل الخير لنفسه ولجميع الناس من الأمم الأخرى . خير أمة إذاً هي أمّة خير في نفسها ، وأمة خير للآخرين. كالنور، نور في نفسه وينير ما حوله، نور على نور.
خير أمّة أخرجت، ليس من الناس فقط .  بل لهم ، أخرجت للناس لتكون قدوة، لتعمّر لا لتدمّر. أمّة إحتوائية لا إقصائية، تسعى لنشر الخير وإرساء القيم .

لكن، كيف ذلك؟ ما هي أهمّ صفات هذه الأمّة؟

} كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {

1-      تأمرون بالمعروف:
والمعروف هو اسم لكلّ فعل يُعرف حسنُه بالعقل أو الشرع. وخلافه المنكَر. تكونون خير أمّة عندما تتواصون بفعل الخير وإرساء القيم وتحكيم المبادئ التي أنزلها الله تعالى، من أجل الإرتقاء بأفراد المجتمع.


2-      وتنهون عن المنكر:
تنهون بعضكم عن ما حرّم الله، وكل ما يُعرف أنّه ضارّ بالفرد والمجتمع، في صحته وبيئته وسلامته ومصلحته العامّة.
(وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)
(والعصر . إنّ الإنسان لفي خسر . إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وتواصوا بالحقّ . وتواصوا بالصبر )
(أرأيت الذي يكذّب بالدين . فذلك الذي يدعّ اليتيم . ولا يحضّ على طعام المسكين . فويلٌ للمصلّين . الذين هم عن صلاتهم ساهون . والذين هم يراؤون . ويمنعون الماعون)
مجرّد الإمتناع عن الأمر بالمعروف كالحضّ على إطعام المساكين يعتبر خطيئة!

ولا ننسى هنا جزئية مهمّة في موضوع الأمر والنهي ألا وهي الأسلوب رحمكم الله.
(ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة)
بالحكمة أي بالعقل، أوضح له خير ما تأمره به، وشرّ ما تنهاه عنه، وليكن ذلك بأسلوب حسن ليّن سلس.
ولتخلص النيّة لله، فلا يكون في قلبك أو أسلوبك تعالٍ على خلق الله، بل لأنك تعلم بأنّ الحياة رحلة لها نهاية، وبعدها حساب، تريد أن تأخذ بأيدي من حولك لتذهبوا جميعاً إلى مكان جميل على سرر متقابلين . وهذا يتطلّب منك أيضاً أن تتقبّل النصح منهم وتتقبّل الإرشاد عندما تخطئ أو تسهى.

ولا تنسَ قوله تعالى : (أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)
إنّ المجتمع الذي يقوم على هذه الثنائية لن يقع في مصائب تدمّره، بل يبقى كالنسيج المتماسك المتناغم، فيه اختلاف محمود ضمن هامش يضيف الغنى إلى المجتمع، ويضفي عليه ألواناً تجعله أزهى وأكثر إنتاجية.
3-      وتؤمنون بالله:

الإيمان بالله تعالى يعني الإيمان برسالته التي أرسلها مع رسله الى العالمين . رسالة الإيمان به وباليوم الآخر، وبكل المبادئ التي نحتاجها للعيش بطريقة صحيحة. أقول صحيحة ولا أدخل في نقاشات سفسطائية من نوع ان الصحيح نسبي ويختلف من شخص لآخر (سنفصل في هذه الجزئية لاحقاً على أية حال).
فقد أرسل لنا الله تعالى الرسل ليرونا الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إيّاه في كلّ ركعة من صلواتنا.

 ولعلّ القصة تختصر في الآية:
 } كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البيّنات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم{ .
أنظروا أيضاً كيف تعلّق الإيمان بالنهي عن المنكر، لا بل وتغييره:
(من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)

ماذا حصل لنا حتى كسرنا هذه المعادلة ولم نعد "خير أمّة أخرجت للناس" ؟

نحمد الله على وجود فئة من الناس ما تزال تضع حداً للمنكر بيدها ولسانها، وتأمر بالمعروف، فالدنيا لا تخلو من الخير وأصحابه. 

لكن النسبة الكبيرة التي تتجاهل الموضوع وتقرر أن لا تتدخل، أن لا تدخل نفسها في مشاكل، أن تبقى سلبية تجاه الأحداث من حولها، هو أمر خطير جداً. أمر خطير لأنه يعني أن الخوف أو اللامبالاة يطغيان على المبادئ والقيم.  ما دام تدخلك في موقف ما سيحدّ من ضرره فاعتبره واجباً عليك وليس خياراً، ما دمت تستطيع .
عندما تصبح عبارة "أنا حرّ يا أخي أفعل ما أريد" قادرة أن تسكتك عن اتخاذ فعل لرد قائلها عن أمر خاطئ يقوم به، فاعلم ان لديك مشكلة في فقه الأولويات.  وأن نوراً في داخلك قد انطفأ.

وهذا يوصلنا الجدل القائم حول الحرّية الشخصيّة وتعارضها مع ثنائية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أولاً ، الحرية التي يتشدق بها المتأثقفون ليل نهار، ما إن أصبح تعريفها يعطي وازعاً للبعض بأن يقوم بما يضر ولا ينفع، فاعلموا بأنه تعريف مضلّل . 

الحرّية لا تعني أن تقوم بما تريد وقتما تريد. الحرية لا تعني أن تعيش كالبهيمة بين الناس. حتى البهائم التي تعيش في مجموعات تنصاع لقوانينها ولا أدري إن كانت تدرك أهمية هذا الانضباط والانصياع.
الحرية، هي ان لا يجبرك انسان على ان تفعل ما لا تريد. هي ان لا يسلبك أحد حقاً من حقوقك المستحقة لك كونك إنساناً. الحرية تكليف وتشريف، لأنها مسؤولية عظيمة، إن أسأت استغلالها ساهمت في الخراب، وإن أحسنت ساهمت في البناء.

ليس التحضّر أن تترك للناس ان تقوم بما هو خاطئ ولا تتدخّل أنت . ليس التحضّر والحرية ان تترك الناس تعيش كعنصر مخرّب في المجتمع الذي أنت جزء فيه . قد يجادل البعض بأن هذا الشخص حرّ فيما يفعله لنفسه ما دام ضرره لا يتعدّى فرده، قد لا تستطيع التدخل في هذا . لكن مهلاً . نحن "أمّة"، نغار على بعضنا البعض من الخطأ . وإن لم تكن هنالك من عقوبة لمن يضرّ نفسه تبقى النصيحة واجبة بأصولها وآدابها .
أضف إلى ذلك بأن المعروف والمنكر أمور غير مبهمة ، غير خاضعة لفلسفة سفسطائية تقول بأن الكلّ على حق لأن الفرد يرى الأمور من منظاره الخاص المتأثر بعوامل عديدة وبالتالي لا يوجد صواب وخطأ بالمطلق!
لعلّهم كانوا سيكونون على حق لو لم ينزّل الله رسله وكتبه ليعلّم الناس الحكمة والمبادئ التي يقيّمون على أساسها .
الفضائل -و عكسها القبائح-  أمور مطلقة تعرف بالقيم . والحرّية قيمة . فكيف يتعارضان؟


أنظر عزيزي القارئ وتفكر في سياق الآيات: 

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) 

الدعوة إلى الخير والمعروف. والنهي عن المنكر، هو لتوحيد صف الأمة وليس لتعزيز الإختلاف فيها، هو للتشجيع والإرتقاء الجماعي ، فالمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى كما أخبرنا رسولنا الكريم . بنيان واحد . كل فعل سلبي كان أم إيجابي تقوم به كفرد سيؤثر في الجماعة التي أنت جزء منها . وسيعود الأثر عليها . 

الله تعالى يريد أن يعلمنا كيف نكون مواطنين مسؤولبن وأعضاء فاعلين ايجابيين في مجتمعنا ، نساهم في الخير ونردع الشر ونترك أثراً طيباً .


أختم كلامي بآية أخرى مكمّلة لما سبق:
(وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)

عزيزي القارئ، ساهم أنت بنفسك بعائلتك بتربيتك لأولادك أن تكون صاحب مبدأ . أن تعرف المعروف والمنكر ثم تطبّق الآية على نفسك فتأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر ، قبل أن تطبّقها على الآخرين أيضاً .


صورة توضيحية من تصميمي


#الصدمة
لا أدري إن كنتم تتابعون برنامج "الصدمة" الذي يعرض الآن في شهر رمضان المبارك. لمن لا يعرفه، هو برنامج تلفزيوني عبارة عن كاميرا خفية، تصوّر مشهداً تمثيلياً جدلياً في مكان عام، لتلتقط ردات فعل الناس تجاهه - او انعدامها.
من الأمثلة على هذه التمثيليات رمي الأوساخ في مكان عام، سرقة مال من رجل كفيف، سوء معاملة ابن لوالده العجوز، عنصرية ضد ذوي الاحتياجات الخاصة او الخادمة ... الخ.
فكرة البرنامج رائعة، ودلالاته اكبر مما نعتقد.  ومتابعته كفيلة بإظهار الخلل عندنا حتى ما استحققنا أن نكون "خير أمة أخرجت للناس" .

No comments:

Post a Comment