Sunday, June 5, 2016

يا سيّدات! فلنتحدّث عن الحجاب - يسمح للرجال بالقراءة أيضاً


الحجاب ..




الموضوع الذي أصبح شائكاً أكثر من أي وقت مضى.
وذلك غالباً لكونه أحد المواضيع المتعلقة بحقوق المرأة، التي استفاق العالم فجأة لنصرتها، أحياناً كثيرة زيادة عن الحد المطلوب، حتى انقلب الى الضد.
ما علينا.

لعلّ السبب الذي دفعني لكتابة هذه المدوّنة الآن بالتحديد هو أنه خلال فترة قصيرة تحجّبت عدة فتيات وسيدات من محيطي، لا أستطيع تمالك نفسي من الفرحة عندما أسمع أو أرى خبراً كهذا، السبب غالباً هو أن أغلب الإناث في محيطي هم أصلاً في عمر يفكرن ويتخذن فيه القرارات بناء على أفكارهن الخاصة وبعد تفكير وتمحيص.

لا يعني هذا انني لا افرح للفتيات اللواتي يتحجبن طوعاً في سن اصغر، لكن القرارات المتعقلة من فتيات واجهن صعوبات وصراعات داخلية ليتخذن قرارات كهذه تلهمني وتثير إعجابي.
من جهة أخرى، في فترة سابقة، قررت فتاتان من صديقاتي خلع الحجاب بعد وضعه بفترة ليست بطويلة.
وطبعاً، كما تتوقعون، انهالت الانتقادات والاتهامات وتمت فبركة السيناريوهات التي يعجز عنها اكبر سيناريست مكسيكي لتفسير هذا الفعل المشين، وكل هذا طبعاً بأصوات خافتة دون أية مواجهة أو استفسار او سؤال بطيب خاطر من المقربين، او أقله صمت امتثالاً لحديث من يدعون الدفاع عن نهجه "قل خيراً أو اصمت".

غالباً، نميل كثيراً لأن نبدوا مثاليين في تديننا، أن نظهر دون شوائب، وأكثر طريقة تعجبنا للوصول إلى هذه الغاية هو التركيز على أخطاء وعيوب غيرنا. الموضوع برمّته أشبه بمن جهّز عرضاً مسرحياً وعندما وقف على المسرح أخطأ فأمر بإطفاء الأضواء عنه وإضاءتها على عامل النظافة بثيابه الرثة. لماذا هذا التشبيه بالذات؟

لأننا فعلاً نحاول أن نحضّر لحياتنا ومظهرنا أمام الآخرين كعرض مسرحي متقن لا تشوبه شائبة -والعياذ بالله!- وعندما نخطئ، يبدو الأمر كفشل لما خططنا له، جريمة لا تغتفر، لكن لا مشكلة! فالناس الذين يصدّقون مسرحياتنا هم غالباً من سيلهيهم منظر ثياب رثة عن فظاظتي التي تفوّهت بها على خسبة المسرح والتي شوّهت "برستيجي" أمام الجمهور.

 بالرغم من أنّ "كل ابن آدم خطاء"، وخطّاء صيغة مبالغة تفيد الكثرة، لماذا نصرّ على أن ندّعي ما لسنا عليه؟
ومن سوء حظ الفتيات في مجتمع يفكر –ويعيش!- بمنطق أعوج كهذا، هو أنّ الحجاب أمر ظاهر ملموس يمكن أن يسمح أي كان لنفسه بأن يقيسه ويقيّمها على أساسه على مختلف الأصعدة.

على كلّ حال،

لست بصدد الكلام عن الحجاب من منظور فكري فلسفي او موضوعي، فأنا أولاً لا أظن أنني قد توصّلت إلى ما يمكّنني من الاستفاضة في هذا الموضوع، وثانياً لأنّني لم أعد أجد بين ضجة الأفكار والنظريات والفلسفات على الساحة اليوم ما يعبّر عن حقيقة الحجاب –بمنظاري الشخصي- بشكل روحاني معنوي خاص. خاص جداً.
بصراحة، لا أكون أبالغ إن قلت أنني لم أجد في التفسيرات والاجتهادات -التي يغلب عليها المتكلم الذكر- أية صلة لمشاعري تجاهه.

لا أكف عن التفكير بأن أغلب الكلمات التي تتغنى بها الفتيات عن الحجاب هي كلمات شيوخ المنابر، ولا بأس بذلك إن كان هذا شعورهن الحقيقي تجاهه، لكن ما يزعجني جداً هو أن حدّة اللهجة المستعملة على المنابر وفي البيوت والطرقات وعلى جدران العالم الإفتراضي قد جعلت الأمر يبدو وكأنّ قيمة المرأة في حجابها، في لباسها، في هيأتها وشكلها. تماماً كما يفعلون في سائر الأمور، بدءاً من حصر دورها في الخدمة المنزلية انتهاءً بتشبيهها بالسكاكر والمصاصة والشباك الذي يحتاج إلى ستائر كي لا يدخل اللص الى المنزل (بالله عليكم هل من وضع هذا التشبيه يمكن أن يصنّف من الأسوياء عقلياً ونفسياً؟!) وغيرها من الأوصاف التي لا قدرة لي على تسطير تفسيراتها وأبعادها النفسية والإجتماعية والثقافية.

على أي أساس يسمحون لأنفسهم أن يأخذوا مركز الحكم مكان الحكيم القدير؟
بالنسبة إليّ، الذين يحتقرون المرأة غير المحجبة هم بنفس مرتبة الذين يطالبون بخلع الحجاب. الاثنان يحكمان ويسلبان من المرأة حقها المقدس في الاختيار.

والامر يذكرني بقصة مشابهة في موضوع الصيام، الناس الذين يشعرون بالاهانة ممن ياكل علناً في شهر رمضان. ما دخلك يا اخي؟!

هل الصيام عذاب تحتاج الناس ان تراعي مشاعرك خلاله وتحيطك بكل الظروف المناسبة كي تتخطاه؟ من أجبرك على الصيام ان كان منظر شخص يأكل سيزعجك ويخدش تقاك اللامتناهي؟
نفس الشيء بالنسبة للمؤمنات بالحجاب و يرتدينه. ما دخلك انت ان هي ارتدت ام لم ترتدِ؟ بماذا تضركِ؟ هل تتوقّعين أنّكِ بانتقادكِ أو استغابتكِ لها ستتقرّبين من الله زلفى؟ أم أنّ ملاحظاتكِ الفظّة ستقرّبها من مرتبتكِ في التقى والورع؟

اما الرجل، فحدّث ولا حرج.
بالمبدأ، انا ضد ان يتكلم الرجل في هذه الامور. مع احترامي لكل ذوي العلم، لكن الدنيا لم تخل من النساء، وان كان لا بد من التكلم في امور النساء الشرعية فلتتكلم معنا امرأة منا (من كوكبنا الوردي، نحن شعب عنصري بالمبدأ).

فالخطاب الذكوري في مواضيع تخص النساء زاد برأيي بشكل كبير من نفور الكثيرات، وشخصياً أجد الأساليب المعتمدة تزيد الأمر سوءاً، من التشبيه المذكور أعلاه للمرأة باللؤلؤة والمصاصة والسكاكر (ويظنون بأن المرأة ناقصة عقل فعلاً ليسكتوها ببضعة كلمات أنها حلوة كالسكاكر) الى جعله الحلّ لكل مشاكل المجتمع، ولوم المرأة السافرة او المحجبة التي لا تلتزم باللباس الشرعي على كل مصائب الأمة. ليس هذا فقط، بل و جرّدوا الحجاب من كل معانيه المعنية بالعبادة والروحانية والتسامي وحصروه بالأمور الشهوانية التي تعود وتؤكد على نظرة تشييء المرأة وتحميلها مسؤولية يتحمل نصفها الرجل -إن لم أقل أكثر.

على كل حال، هذه من تداعيات المجتمع الذكوري واسقاطاته على شرع الله، تداعيات ما أنزل الله بها من سلطان، حال البشر الخطّائين المغرورين.

دعونا من كل هذا الكلام،
لا أريد الكلام عن الحجاب من منطلق احكامه، وتوصيفه، وشرعيته ووجوبه، والحكمة من ورائه، فقد تركت هذا للمتناطحين يومياً على المنابر الاعلامية والافتراضية.

انا بصدد التعبير عن تجربتي معه. أليست هذه مدونتي الشخصية على أية حال؟
(هذا الجزء من المدوّنة مهدى إلى كل فتاة وسيدة يمتلك الحجاب في قلبها مكانة، سواء كانت محجّبة أم لا)


الحجاب...

في البداية عندما ارديته، كان تحت تأثير إيجابي و تشجيعي من محيطي، صديقاتي واهلي ومعلماتي في المدرسة. ولم يكن الامر صعباً البتة، اذ لم تكن ثيابي قبله الا محتشمة الى حد كبير نسبياً.
كان ذلك في اول الصف التاسع، في 11 اكتوبر تحديداً، يوم السبت.

لا ادري لماذا تفاجأ كثيرون عندما رأوني فيه، وكأنني قد بدلت ديني، او اصبحت شخصاً آخر! لكن لا أنكر بأن انفعالاتهم كانت لطيفة. حتى أنني كنت أنتظر ردّات الفعل هذه من الذين لم يروني فيه بعد. أختار الوقت المناسب لذلك، أو الطريقة المناسبة، ثمّ أنتظر تلك الابتسامة الواسعة، أو الصرخة ذات التردد العالي الشهيرة في حماس البنات. كم هي جميلة هذه المواقف، حتى الناس الذين لا تعرفينهم أو تقابلينهم قسراً في مكان دراستك أو عملك دون أن تكونوا على صلة مقرّبة، ستجدين أقلّه نظرات محبّة من بعيد وابتسامات دافئة، والكثير من المودّة.

لذلك احرصي عزيزتي إن نويتِ أن تقومي بمثل هذه الخطوة –والأمر ينطبق على أي تغيير في الحياة- أن تحيطي نفسكِ برفاق يدعمونكِ أول فترة. بعض التغييرات تحتاج لدفع في بداياتها لتنطلق بقوة واستقرار.
داخلياً شخصياً، منذ ارتديته، احسست بتغيرات كثيرة في حياتي البسيطة آنذاك. وهو غالباً انعكاس لتغيراتي الداخلية أيضاً.

أصبحت أحاول أن امثله، أو بالأحرى الصورة التي كوّنتها عنه وعن المرأة المحجّبة.
وهنا تأتي القاعدة رقم 2: انتبهي ممّن يعرّفونكِ عليه. الجميع مصدر للآراء والأفكار. احرصي على أن تجدي الأقرب لفكركِ.، والأقرب لما ترينه جديراً بشرع الله.

بالنسبة لي، لما ارتديته، شعرت بمجموعة من الاحاسيس المختلطة، لم استطع صياغتها حتى هذه اللحظة (بعد 8 سنوات نعم). ما احسست به هو كبت وتحرير في نفس الوقت.
احسست بأن الحجاب يفرض عليّ هيئة معينة تتشابه بين امرأة واخرى وتتباين ضمن هامش واسع من جهة أخرى.

سأوضّح.
احسست بأنني، سارة الجديدة، المحجبة، يجب أن تتميز بأشياء معينة عن سارة القديمة.
قاعدة رقم 3 :  هناك فرق شاسع، بين مقارنة حال الشخص نفسه قبل وبعد أمر ما، و بين مقارنة شخصين مختلفين على حالين مختلفين.
أحسست بأنّ علي ان أكون اكثر وقاراً، أكثر طيبة، أكثر انوثة، أكثر تميزاً في الامور التي احبها، أكثر ريادة، أكثر طموحاً ...

لا ادري مالعوامل الثقافية التي ولّدت لدي هذه الدلالات، لكن ما لا شك فيه هو أنّه الى حدّ كبير حرّرني. حرّرني لأنني عندما أرى نفسي بهيأته أستعدّ لأمور معيّنة، أستعد لأمارس دوراً، لأكبح أموراً أخرى، لأكون على قدر من النجاح بمعايير وضعتها لنفسي. الحجاب يسمح لك ان تقولي للجميع بأنك تريدينهم ان يعاملوك لا كجسد، لا كشيء، بل كفكر وعمل وانجاز. 
ألم يكن بإمكاني ان أخضع لهذا التغيير دون ان اتحجب؟
بلى طبعاً إن أردت.
لكن مزج التغيير الداخلي بالخارجي يعززه بشكل غريب. ألسنا نغير قصّات شعرنا عندما نريد تغيير مزاجنا او شيء ما في حياتنا؟

أضيفي إلى ذلك، أن الحجاب أيضاً، كان أول التزام فعلي في حياتي.

قاعدة رقم4: الحجاب هو التزام فعلاً، فيه بنود تبرمينها مع نفسكِ وقد تتغير مع الوقت منها ما يصبح غير ذو أهمية ومنها ما يضاف ويلقي رواسيه في العميق من القلب والروح. لا يعني ذلك أنكِ بالضرورة مستعدّة لهذه الالتزام أو أنه أمر مخيف أو مسؤولية مصيرية كما يقال لكِ. هو أمر تدبّرينه أنتِ ونفسكِ وربّكِ. أمر خاص على نحو غريب. أمر تستطيعين أنتِ وحدكِ أن تقرري مكانته في نفسكِ وتأثيره عليكِ وعلى حياتكِ.

لعلّ أظرف ما وجدت في الحجاب هو ذاك النوع من الأخوية. ذاك الأمر الاضافي الذي أتشاركه مع الفتيات مثلي. له بعد لطيف على حياة الفتاة منا. أنواع الشالات، ألوانها، موديلات لف الشال، الدبابيس، الثياب المناسبة، الطول، التنورة، الفستان، المحلات التي نشتري منها ثيابنا لأنها تبيع "كنزات طويلة فوق البنطلون" وغيرها الكثير الكثير.

الحجاب أيضاً يا عزيزتي تمثيل لأمّة..
شئنا أم أبينا، أختارنا الله لنمثّل الأمة (وحسب عدة دراسات قرأتها أن المرأة حكيمة أكثر في العلاقات الخارجية والدبلوماسية لا أستغرب حقيقةً)

 وهنا تأتي القاعدة رقم 5: مهما احتججنا على السيط السلبي الشائع عن المسلمين والحجاب، فلن يغيّره أحد غير المسلمين أنفسهم. تحديداً أنتِ التي ترتدينه. لكن اطمئني، ليس الأمر عبئاً لا طاقة لنا به، وليس تمثيلاً في الأمم المتحدة، هو تمثيل لجوهركِ الجميل، الذي يظهره ولا يحجبه.

الحجاب يمثلك أنت أولاً وأخيراً، لكنه أيضاً يعطي انطباعاً عاماً عما تجدينه مسموحاً ومقبولاً ضمن هذا الإطار. 


الحجاب ايضاً، تقرّب من الله. (لستنّ بحاجة لأقول لكنّ هذا على أيّة حال!)
ولا أعني بذلك مجرد وضع الشال على الشعر او الالتزام باللباس الشرعي. السلوك طبعاً عامل مهم.
لكن ما أعرفه أنّني اجتزت منذ زمن طويل أيّة رغبة في الاهتمام المبالغ والتحسّر على عدم إظهار أجزاء من جسدي كغير المحجبة، حتى في اشد الايام حراً، وأمام أكثرهنّ جمالاً.
لا يعنيني الأمر ابداً، ولا تعلق لدي بعدها بالمادية التي تحيط بهذا الامر.
بالطبع، ما زلت أهتم بلباسي وشكلي، لكن هنا ضمن إطار مختلف، أعمل ايضاً على تأطيره أكثر والتسامي به الى مراتب اعلى، لكن بشكل عام، الابتعاد عن المادية، تقرّب من الروحانية.


ختاماً،
أعزائي القرّاء،
الحجاب أمر أنثوي بحت، نراعي ميلكم لإبداء الآراء فيه، لكن بشكل عام، غير مرحّب بها. خاصة صراخاً من فوق المنابر.

أمّا عزيزاتي القارئات،
الذنب ذنبكنّ،
دائماً ما أقول بأنّ المرأة هي المشكلة والحلّ في آن معاً. أنتِ المشكلة عندما لا تكونين أنتِ أو تربّين على الأقل بناتكِ أن يصبحن فقيهات في الدين لينكلّموا عن أمور النساء.
أنتِ المشكلة عندما لا تقفين مع أختكِ بل تهاجمينها لتظهري أفضل منها.
أنتِ المشكلة عندما تظهرين الحجاب بصورة بشعة، إما تشدداً يتسم بالإقصاء، إما تفلّتاً يوحي بالمادية.
وأنتِ الحلّ لا أحد غيركِ عندما يكون لكِ فكر ووعي تقيّمين على أساسه وتختارين بكامل إرادتكِ وتشجّعين أخواتكِ على الخير وتأخذين بأيديهنّ عندما يقعن في ضيق أو مشكلة على طريق الاستنارة.

لكن بعد كلّ هذا، فلنكن واقعيين،
توازن الحياة أنتِ!

No comments:

Post a Comment