Wednesday, May 4, 2016

عندما نفي الحبّ يا صديق!

النفس واحة راكدة في صحراء عظيمة، تتلهّف بشوق لتلقّي حبات المطر التي ستخرجها من رتابتها الجامدة، ويحرّك فيه القدرة على طرد طفيلياتها التي تعكّر صفوها، وتنقل نور الله اليها عبر طيف ساحر من كل الألوان...
العشق يحيي أرضاً بور ويميت طفيلياتها التي أماتتها لسنين طوال.
العشق حبّات مطر من الله،
ما اجمل أن تكون أنت حبة المطر التي أرسلها الله لتخرج نفساً من سنينها العجاف!
الراحة- عكس ما أوهمونا طيلة حياتنا لسبب ما- ليست في الركود الذي يخدعنا بأنه سكينة واطمئنان،
الراحة والسكينة والاطمئنان ليسوا سوى هدنة فاعلة واتفاق بنّاء بين الفكر والقلب تمّ التوصّل إليها بعد حرب طال أمدها وازدادت قوتها وامتد أثرها حتى غلب طاقة الروح واستنفذها، فبات الجسد يتحرك واجباً لا عشقاً وشغفاً، وأضحت الحياة تكراراً رتيباً وسيراً هائماً بتخدير ينتظر اكتماله عند الموت.
وهل الموت راحة؟
الموت ليس إلا هروباً لمن لم يجد الراحة في ما يسميه الحياة التي عاشها.


Photograph by BILLY MONDOÑEDO


فإن كان الحبّ قوة نلجأ إليها في كلّ الأوقات، ودواءً لكلّ داء ضرب النفس فأرهقها، لماذا أصبحنا أكثر الشعوب نبذاً له؟

منذ متى كرهنا الحب وطردناه من حياتنا؟ لا بل و حرّمناه على غيرنا فجعلنا الحياة جحيماً أحمر؟
لا بدّ أنّ الظروف العصيبة التي مرّت بها منطقتنا لا تعبّر بأيّ شكل من الأشكال عن أي حب وقد لا تشجّع على تربية الفرد فيها عليه وعلى التعبير عنه بكرم. نعم بكرم، إذ يقال:


 "الحبّ من شيم الكرام".

 فبالحب أعني المحبة والعشق والسكينة والرحمة والتعاطف والمودّة والشغف، وهي ينابيع متعددة من منبع واحد عظيم هو الحب.

فلماذا كتبنا على أنفسنا هذ الجفاف القاسي وحوّلنا أراضينا بوراً بأن نفينا الحبّ إلى زاوية ظلماء نائية؟

أنظر حولك وعد بالذاكرة. صنّف المعطيات الشعورية التي تلقّيتها من المحيط الإجتماعي إلى إيجابي (حب ومشتقاته ..) وسلبي (بغض و مشتقاته ..).

ستستنتج بسرعة أنّ شعبنا لسبب ما يجد التعبير عن الكره والبغض والحقد والتحطيم والإفشال أسهل وأكثر رواجاً من التعبير عن المحبّة والاحترام والتعاطف -الذي يبدو ضرباً من ضروب النفاق أحياناً- تجاه النفس والآخرين.





يقولون بأن "الحبّ يصنع المعجزات"،

ويقول آخرون بأن "الحب هو المعجزة" ، ولعلّه حقيقةً جمع بين القولين، فهو معجزة خلقها الله فينا، فإن استجبنا لها صنعنا بالقوة المستمدة منها معجزات لا نصنعها بسواه.


لكن لماذا تخلّينا عنه؟ وجعلناه مصدراً للآلام والأحزان والمعاناة؟

فلنفنّد الأمور من باب التبسيط:

1-     الحبّ بين الرجل والمرأة:




فلنكن واقعيين، هو أول معنى خطر على بالك عندما قرأت عنوان المقال، ولعلّك على حقّ فهو الآخر طردناه نهائياً واتهمناه بأنه "عذاب" و "معاناة" و "ألم".
فلمناه على أخطائنا وقلّة وعينا واندفاعنا الأهوج دون رقيب العقل والخلق الذي يهذّب القلب ويسمو بالعشق إلى مراتب أرقى وأجلّ. 
الحبّ الذي يرتقي ليجمع بين روحين هو أجمل ما قد يحصل لإنسان، فلا تنخدع بما يقوله لك من ظلموا أنفسهم بأن خاضوا تجارب خانت الضوابط والأصول السامية للحبّ الأخلاقي فبات مجروحاً متألماً،
 وتذكّر،
الحبّ خير لا يأتي إلّا بالخير فهو هبة ورزق من الله يضعه في قلوب مخلوقاته، وهو الجمال الذي يزرع في ناظري المحبّ الحقّ، فلا يرى في الشوك إلّا جمال ثناياها، ولا يرى في السواد الغالب إلا كنوزاً مختبئة يتلهّف لها و يكتب فيها الأشعار.
عندما تناسى المحبّون النظر إلى جوهر محبوبهم، أحبوا حبّاً وهمياً فتأذّوا، وانتهت زواجات بنهايات مأساوية، وفسخّت أعمدة الأسرة والبيت، وانهارت نواة المجتمع، وخابت نواة الجسد (القلب).



2-     الحبّ العائلي:



  

مع أنه لا يزال إلى حد ما متماسكاً أمام الرياح التي تهبّ من كل صوب وجانب، إلا أن أهم المشاكل تتلخّص بخلل في التعبير عن محبّتنا لأفراد عائلتنا كما يجب،
فإما نهملهم ونعتبر وجودهم في حياتنا أمراً مسلّماً به فننسى واجبنا العاطفي تجاههم، ونسمح للماديات أن تقف عائقاً أمام حبنا لهم وتقطع أواصر الرحم والدم التي بيننا. 
أو أننا نقوم في الحالة الثانية بالتعبير عن حرصنا و محبتنا بالقسوة،فنتجرّأ بأن نتعدّى على حقوق أحبّائنا في حريّة اختياراتهم، وقد يصل حرصنا الزائد عليهم بأن لا نبدي أيّ احترام لأفكارهم واختياراتهم فقط لأنهم خالفونا فيها وقرّروا أن يعيشوا حقّهم في حياة يصنعونها بأيديهم.
غريب أمرنا..
كيف يكون الإهمال أو الإقفال ضرباً من ضروب الحبّ؟

3-     المجتمع: 



حدّث ولا حرج.
الحبّ هو أساس القيم والمبادئ الإجتماعية الأساسية كالإحترام والتعاطف والإيثار لأنها تصبّ في صميم جوهر النفس الإنسانية الخيّرة التي فُطرنا عليها.
وعندما تجد أنّ المجتمعات بدأت تنحدر إلى هاوية لا يُعرف آخرها فاعلم بأنهم فقدوا الأخلاق فيما بينهم،

"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                  فإن هم ذهبت أخلاقهم، ذهبوا"
والدافع الحقيقي المتأصل في القيم الإجتماعية الأساسية هو احترام الإنسان الذي تتعامل معه أياً كان، فاحترامك يعبّر عنك، ولا يعني بالضرورة أن الشخص الآخر يستحقّ الإحترام.
أن تحترم النفس البشرية يعني أن تؤثر حاجة أخيك الإنسان على حاجتك، فقط لأنك تحب الخير، تحب الناس، تحب المساعدة، تحب خلق الله لأنهم خلقه كما قال بما معناه إبن عربي.

أن تمتلك أخلاقاً يعني أن تترفّع عن مادية هذا الوجود، أن تتنازل أحياناً من أجل المصلحة العامة، أن تتذكر دوماً أن صراعات الحياة لن تنتهي لكن إن كان الأمر بيدك فلا تكن عائقاً أمام سلام وسكينة ومحبة ظمئنا لها طويلاً.
للكلّ معاناة، وللكل آلام قد لا يعلمها إلا الله وحده، لكنّ المزاد الذي نفتحه على حاجاتنا وآلامنا لاستجداء الحق في تقليل الأدب أو الإحترام أو انعدام الإيثار والمودّة بين الناس أمر مثير للشفقة.
تذكر في المرة القادمة عندما يطلب منك شيخ كبير أن تعطيه مكانك في طابور انتظار طويل أنك إن رفضت ستكون مثل موظف المعاملات الرسمية الذي يعاملك وكأن بينكما ثأراً قديماًّ!

ماذا عن خلافك الأخير مع .....؟ لا بدّ أن اسماً و صورة خطرا ببالك وأنت تقرأ هذا السؤال. فلنكن صريحين، هل كان الحق معك 100% وكان الخطأ منه 100% ؟
وليكن كذلك. لماذا لم تسامحه بعد؟ لماذا تحمّل قلبك عبئاً ثقيلاً كالضغينة والحقد والغضب عندما يمكنك تخليته ثم تحليته بالمحبة؟ هل أدعو إلى السذاجة؟ بالطبع لا! وهل في نبذ السلبية سذاجة؟ هل في فض الخلافات –أقله من طرفك أو بينك وبين الله- سذاجة؟ كيف يعيش أغلبنا مع قلب سوّده الحقد والغلّ ويستغرب أن الحياة ظالمة وغير سعيدة؟
"إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك لعلّ لأخي عذراً لا أعلمه".
متى كانت آخر مرة ساعدت أحدهم دون مقابل مادي أو معنوي ودون حاجة في نفسك؟ تذكرها إذاً! لماذا تنكر على نفسك إذاً قدرتها أن تساهم في خلق حياة أفضل؟!
لا تتوقع أن تنتهي هذه الحلقة المفرغة إلا إن تغيرت نظرتك للناس والمجتمع وربيت أولادك على المحبة والمودة لا على الكره والأنانية والضغينة وتوابعها من أمراض القلوب.


ألسنا جميعاً نطمح لذلك المجتمع الذي يعيش فيه الفرد منّا مرتاح البال لا يخاف طعن فلان له في ظهره وسوء ظنّ الناس به، أو كرههم له أو الكلام عنه بما لا يحبّ؟
ألسنا جميعاً نتمنّى أن يعذر الناس زلّاتنا، ويغفروا لنا أخطاءنا، ويفتحوا لنا المجال أن نعبّر عن أنفسنا دون أن نخاف التجريح أو التكفير أو النبز بالألقاب أو غيرها من حملات النفي والإقصاء؟
أليس الإحتواء أساس المجتمع؟

وبمناسبة الحديث عن الإحتواء، بالتأكيد قد مررت في حياتك بمرحلة تمنّيت فيها أن تسعى وراء حلم كان لك كبيراً بحجم الكون، فصغّره من حولك ةاستحقروه كحفنة تراب..
السلبية التي نعطيها للآخرين سنسأل عنها،
سنسأل عن كل وميض أطفأناه،
وكلّ نور ساهمنا في أن لا يمتدّ ويكبر،
وكلّ دمعة،
وكلّ ألم.


4-     الحياة:




تسمعهم يقولون لك يا صديق:
كيف نحب الحياة كالكفار الذين أغرتهم الحياة بزخرفها وما لهم في الآخرة من مفاز؟
قل لهم: إلى متى هذا التفكير السوداوي؟ المشكلة حقيقة ليست فقط في النفق المعتم الذي دفنّا أنفسنا داخله حتى يأخذ الله أمانته، بل المشكلة في نسب هذا المنطق الأعوج إلى أمر الله الذي لا نقاش فيه!
رجاء، إن كنت تعشق المازوشية، لا تعط لنفسك الحق بأن تنسب لله صفة السادية حاشاه وتعالى!
هل من الطبيعي اليوم أن يبقى هناك من يرسل إلى المشايخ لطلب فتاوى من نوع:
"هل يجوز للمسلم أن يسعى لرزق الدنيا والآخرة معاً أم عليه أن يسعى لرزق الآخرة فقط؟"
أليس من المؤسف أن البديهيات والأساسيات التي يقوم عليها الإسلام التطبيقي غائبة عن وعي الكثيرين؟
كيف يخلقك الله في الدنيا ويخلق لك الكون بأسره ويسخّر لك من الكائنات ما لا يعدّ ولا يحصى ويعطيك جسداً عظيماً معجزاً وعقلاً فريداً لا يشاركك فيه مخلوق، كيف بالله عليك يعطيك كل هذا لتجلس في زاوية مظلمة منتظراً الموت؟
الزاوية المظلمة يا صديقي هي الحياة التي تعيشها، التي تظن أنها الحياة التي يجب أن تعيشها، أن تعيش لتموت، دون أن تدري أنك ميت أصلاً!
إن كانت الآخرة هي الحيوان والخلود فكيف تتوقع أن تصل إلى أعلى الدرجات فيها إن لم تعمل لها في الدنيا بما تتطلبه الدنيا منك؟
وإن أرادك الله أن تعتكف الدنيا لكونها "كلها" فتنة، أخلق كل ما فيها عبثاً؟ ليعذّبك فيها؟ ليستفزك؟ لماذا تسقطون عقدكم على تصوّركم لله؟


الحياة الدنيا ما جاءت في القرآن إلا بسياق إيجابي يدعو للعمل والتفكر والتعقل والبناء والهمة، الحياة الدنيا هي أن تحيا في مقاييس الدنيا فيكون الفوز فوزك فيها والخسارة خسارتك فيها، ولن يضرّك ذلك بشيء ما دمت قد عشت تبتغي ارتقاء نفسك إلى اقصى ما تستطيع الوصول إليه، نتيجة لجهادك الأكبر، جهاد نفسك، فتكون خير أعمالك خواتيمها، لأنها عبرت عن خواتم نفسك التي تطهّرت من سقمها وارتقت وتطهّرت بنور الله الرحمن الرحيم.

فكّر-يا صديق-  في المرة القادمة عندما تكره حياتك، أنه لا بد من سبب ليحرّم الله عليك الانتحار الذي تقت له -ألم يتق له الجميع في مرحلة ما؟- منذ زمن طويل وبشكل دائم، لا بد أن في الحياة نوراً، لكن ما دمت تشيح بوجهك دائماً إلى الزاوية المظلمة الباردة، لن يصلك النور.
"الحب في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه"
لم ولن نستطيع أن نعيش دون حب، الحب هو تجلي النور الإلهي على قلبنا الفقير إليه، هو الأنهار المتدفقة والبريق اللامع الذي نتمنى لو نقذفه على الكون كله بمخلوقاته فقط لأننا نحبهم ولأن الله خلقهم ويحبهم.
أحبّ ما خلق الله، أحبّ التفاصيل الصغيرة وتجلّي الجمال الإلهي فيها، في الشوارع والأرصفة، في أحاديث العجائز في المقاهي وسط البلدة، في تجعيدات وجوههم وأيديهم، في ابتسامة طفل فقير بلعبة جديدة، في قهقهات مجهولة، في السيارات القديمة، في رائحة الكتب المصفرّة الأوراق، 
في أوراق الشجر اليابسة تتكسّر تحت قدميك،
في حفيفها خضراء على غصن ضرب جبينك،
في زهرة صغيرة ضعيفة تحيا لتمنح عالمك المزيد من التألق،
في قطة أطعمتها فلهفت لك،
في كلب ربيته فدافع عنك،
في عصفور اختار نافذتك ليصدح بالغناء،
في نملة مجتهدة،
في نحلة تنشر الحياة،
في نظرة أمك، أبيك، أخيك، حبيبك،
في ذاك الشخص الذي تعتبره ملاكك الحارس،
في تلك المسامرات التي تجعل عالمك -فجأة- يستحق أن تعيش فيه أطول ..

ابحث عن الجمال في كل شيء وفي كلّ روح،
ستجده عندما تبحث بصدق،
ستجده في داخلك، تلك الكنوز الدفينة التي غطتها رمال الصحراء الجافة،
ستجدها عندما تفتح قلبك لتستقبل النور من حولك، ولا شيء سوى النور.
أنار الله دربك وقلبك بنوره الذي ما بعده نور يا صديق!

وكما قال مولانا جلال الدين الرومي رسول الحب الأمين:



"اضحك كما تتنفّس وأحبّ طالما أنت على قيد الحياة"

No comments:

Post a Comment