Saturday, November 12, 2016

في حربنا مع البكتيريا.. البكتيريا تنتصر!

من منا لا يعرف البنسلين Penicillin؟ الدواء المعجزة الذي شفي بسببه ملايين الناس من أمراض وأوبئة فتّاكة منذ اكتشفه ألكسندر فليمنغ عام 1928من القرن الماضي، والذي ساهم في قلب موازين الحرب العالمية الثانية بسبب مساهمته العظيمة في معالجة جرحى جنود الحرب من العدوى والالتهابات التي كانوا قبله يذهبون ضحيّتها.
 
لقد كانت المضادّات الحيوية على مرّ عقود طويلة سلاحنا الأكثر فتكاً بالبكتيريا المسبّبة لأمراض خطيرة كالكوليرا والديفتيريا وحمّى التيفوئيد والطاعون والسلّ ومرض الزهري والتهابات السحايا وتسمّم الدم، وغيرها العديد من الأمراض التي استنزفت البشر لقرون طويلة.
 
لكنّنا اليوم نقف على شفا حفرة من خسارة هذا السلاح العظيم بسبب العبثية في استخدامه والتي أدّت بنا إلى مواجهة بكتيريا مقاومة لجميع أنواع المضادات الحيوية، وقف أمامها الأطباء والباحثون عاجزين تماماً. وقد أعلن الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما في آذار 2015 عن إطلاق برنامج وطني لمكافحة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية معتبراً إياها تهديداً للأمن القومي.
 
وقد صرّح قائلاً "إن المضادات الحيوية الفعالة هي جزء حيوي للحفاظ على أمننا القومي، إنها تنقذ حياة جنودنا الجرحى في معاركهم، وتمنع انتشار العدوى في مجتمعاتنا، وهي سلاح محوري لمواجهة الإرهاب البيولوجي. إنها، ببساطة، ضرورية لضمان صحة شعبنا وشعوب العالم في كل مكان، لذلك علينا أن نعمل بكلّ ما أوتينا من قوة لضمان بقاء المضادات الحيوية بفاعليتها. لقد أنقذت هذه الأدوية العظيمة عدداً لا يحصر من البشر خلال القرن الماضي، وقد حان دورنا لنحرص على إبقاء دورها في إنقاذ الناس لسنوات أخرى قادمة".
 
وحقيقة أن يصبح ذكر البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية أمراً متداولاً في المحافل الدولية كأزمة تهدّد البشرية لهو أمر جلل ينذر بأزمة عظيمة.



لكن ما هو المضاد الحيوي؟
المضاد الحيوي هو مركّب كيميائي يستهدف جزءاً محدداً من إحدى العمليات الحيوية الأساسية في الخلية البكتيرية ليعطّلها ويسبّب بذلك إيقاف نموّها و/ أو قتلها.
 
كيف تصبح البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية؟
إنّ البكتيريا مخلوقات عظيمة تتمتّع بقدرة كبيرة على التطوّر والتكيّف بأقل خسائر ممكنة. ويترجم ذلك واقعياً بطفرات جينية في شريطها الوراثي الطبيعي، أو اكتساب جينات وصفات خارجية من خلايا بكتيرية أخرى تساعدها على مقاومة الضغط الذي تخضعها له المضادات الحيوية. نوه من التعاضد الاجتماعي البكتيري ضدّنا، مؤامرة جرثومية.
 
ويظهر أنّ مؤامراتهم تنجح إذ أن البكتيريا تصبح في نهاية المطاف مسلّحة -بشكل طبيعي أو مكتسب- بجينات تعطيها خصائص تقاوم تأثير المضاد الحيوي عليها. ومن الأمثلة على ذلك إفراز نوع من الإنزيمات التي تكسّر المضاد الحيوي وتجعله غير فعّال إطلاقاً، أضف إلى ذلك أنها تتسلّح بـ "مضخة" تضخ المواد الضارة لها -ومن ضمنها المضاد الحيوي حكماً- إلى خارج الخلية! كما وتستطيع أيضاً تغيير أو التخلّص من "البوابة" التي يستعملها المضاد الحيوي للدخول إلى داخل فريسته.


 
لكن ما الأخطاء التي أدّت بنا إلى هذه الحال؟ يمكننا تقسيم الأخطاء إلى ثلاثة مصادر: الطاقم الطبي، الجهات الحكومية، والأهم، المواطن العادي.
 
1- الطاقم الطبي:
وتتلخّص الأخطاء في هذا الإطار في الإسراف بوصف الأطباء للمضادات الحيوية لمرضاهم حتى عندما لا تستدعي الحالة الطبية ذلك، كأمراض فيروسية مثلاً كأغلب حالات الزكام، أو الأمراض التي تكون بالفعل بكتيرية لكنها تشفى من تلقاء نفسها، إذ يحبّ بعض الأطباء أن يتناسوا دور جهازنا المناعي الجبّار في القضاء على الجراثيم إلى حد معيّن.

هذا بالإضافة إلى تقصير الأطباء في الاطلاع الدائم على الإحصاءات التي تبيّن التغيّرات في حساسية البكتيريا المسببة للأمراض المعدية تجاه المضادات الحيوية في بلادهم والرقعة السكانية التي يطبّبونها. أضف إلى ذلك الصيادلة الذين يصفون المضادّات الحيوية لزبائنهم وهم لا يحقّ لهم مهنياً تحرير وصف طبية مكتوبة أو شفوية! ناهيك عن بيع المضادات الحيوية للمريض دون وصفة طبية من طبيب مسجّل لدى الجهات الحكومية.
 

2- الجهات الحكومية:
إنّ من واجب الجهات الحكومية تأمين الدعم الكافي للمرافق الصحيّة لتوفير الرعاية والاستشارات الطبية بأسعار معقولة حتى لا يضطر المواطن "لتطبيب نفسه بنفسه" أو الإستعانة بآراء غير المختصّين لأن الحال لا تسمح بأكثر من ذلك! وقد أهملت حكومات الدول النامية كل المعايير الدولية المتعلّقة بتشريع قوانين تجرّم العبثية بوصف وبيع المضادّات الحيوية، التي قد تصل إلى إقفال صيدلية بالشمع الأحمر في بلدان كوكب أوروبا الشقيق! أضف إلى ذلك التقصير الكبير تجاه العامّة بنشر التوعية حول استعمال الأدوية والمضادات الحيوية بشكل صحيح ينفع ولا يضرّ.
 
3- المواطن:
عزيزي المواطن، تذكر عندما ارتفعت حرارتك لأكثر من يومين فتناولت أقراصاً من المضاد الحيوي من على رف الأدوية في البيت حتى شعرت بتحسّن بعد يومين أو ثلاثة؟ لا تفعل ذلك مجدداً. أتدري أنّك لم تقضي على البكتيريا -هذا إن كان سبب المرض هو بكتيريا وليس فيروس أو طفيلي مثلاً!- بل قمت وضع ضغط عليها ثمّ أزلت الضغط عنها حالما شعرت بتحسّن مما أعطاها الفرصة لاكتساب مقاومة ضد الدواء الذي استعملته ضدّها؟ تأكد عزيزي المواطن، بأنّ الجرعات التي سنصح بها الطبيب أو الصيدلي ليست اعتباطية بل هي نتيجة أبحاث مضنية إن خالفتها تسبّبت شيئاً فشيئاً في عواقب لا تُحمد.

ختاماً، يبدو أنّ الموجة الحالية تنبّئ بزوال قريب للمضادات الحيوية كسلاح في معركتنا ضد البكتيريا المسببة للأمراض المعدية، وسننتقل إلى حقبة ما بعد المضادات الحيوية بأسلحة جديدة ما زالت أفكاراً قيد التطوير من قبل الباحثين، عسى أن نستطيع من الآن إلى وقت تصريفها في السوق أن نطيل بأعمار مضاداتنا الحيوية ولا نخسر الكثير من الأرواح.
 
دامت الجراثيم الشريرة عن أجسادكم بعيدة!

Sunday, September 11, 2016

في الأضحى .. عبوديّة!

عيد الأضحى .. 

من أكثر المناسبات الإسلامية "طقوسية"، وطقوس الأضحية مستوحاة من قصة خليل الله إبراهيم الذي ابتلي أيّما بلاء ..
تأتي الآيات التي تحكي قصة الذبح والفداء بعد قصّة إبراهيم مع قومه وتحطيمه أصنامهم، متحمّلاً كلّ العواقب، والقذف في النار والتعذيب، فأيّ موقف أشدّ من هذا إثباتاً لإيمانه؟
(إنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ )

(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ *)
ورزقه الله تعالى بالغلام الحليم الصالح، ثمّ ابتلاه فيه،
( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)
وارتاب إبراهيم من المنام، وظنّ أنّه من الشيطان لهول ما فيه، فاتّجه إلى ولده يسأله:
( فَانظُرْ مَاذَا تَرَى)
يظهر لنا الله تعالى في سرده لنا لهذه الجزئية عظم الموقف وقوة وقعه على نبيّه إبراهيم الحنون على ولده ككل البشر، وكم يؤسفنا أن نرى كيف أنّ كثيراً من المفسّرين يتغافلون عن الجانب البشري للأنبياء في الابتلاءات العظيمة ..
( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ )
تأكّد لإبراهيم أنّ المنام أمر من الله وأقبل عليه في القصّة المعروفة.
لكن ما يستوقفنا هو موقف ولد إبراهيم (الذي ترجح الروايات أنه إسماعيل عليه السلام)، ما هذه الصياغة الحانية! الولد يحنّ ويعطف على أبيه ويعرف هول الموقف عليه، ويقبل بتنفيذ الحكم عليه ما دام من الله، ويعده بأن يصبر على الألم! فهو يعلم معنى منام النبي، وهو مؤمن بالله الواحد الرحيم، لم يشكّك في الأمر، ولم يعمل العقل ليقول بأن ما كان لله أن يأمرنا بمثل هذا، فالقرابين في وقتها كانت رائجة في الديانات السائدة ..

( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)
أسلما .. أسلما أمرهما لله، فالأب يسلم أمره ويعضّ على الجرح راضياً، والابن مستسلم لسكين أبيه تنفيذاً لأمر الله .. وأيّما تسليم .. أيّما عبوديّة!
 ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)
قد صبرت وأسلمت وصدّقت الرؤيا يا إبراهيم، قد وصلت إلى أعلى درجات الإيمان فاستحققت أن تكون من المحسنين.
 ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ)
 ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)
إنّه من عباد الله المؤمنين ... عبوديّة ... إيمان ...


إن كان من الضروري أن نختار أكثر أمر يميّز الأديان السماوية، والإسلام على وجه الخصوص، بإيديولوجيته العقائدية فسيكون غالباً متمحوراً حول مفهوم "العبوديّة" ، وكل مواصفاتها، وآدابها، وحدودها.
كيف لا، وشعار الإسلام هو توحيد العبودية، وتوجيهها لمعبود واحد مع استثناء كل ما سواه عن هذه الأحقية: لا إله إلا الله.
ويلاحظ أن كل قصص الأنبياء والصالحين والدروس المستفادة منها تدور في فلك الإيمان الذي ينتج العبودية تحصيلاً حاصلاً.
فالإيمان هو ما وقر في القلب من تصديق متسامٍ عن المادة والتفصيل والتعقّل الزائف الذي يدّعي الكمال ويتهم ما سواه بالنقص. هو التصدسق بكلّ الجوارح وهو مكمن الدوافع التي تؤدي بالإنسان إلى الدفاع عما يؤمن به، أو تمثيله كما يجب، أو بالإخلاص في ممارسة ما ينص عليه.
أمّا العبودية فهي تتضمّن الحقل المعجمي لكل ما يتعلّق بالعلاقة بين عابد قبل بها ومعبود استحقها. وهذا يشمل الإيمان بالمعبود وبأحقيته بالعبادة دون سواه وبصفاته التي يتعالى بها على كل مخلوق، ومن جهة أخرى يتضمّن الأفعال التي يقوم بها العبد من باب التقرّب والتعرّف إلى ربّه أكثر من شعائر وطقوس وأعمال صالحة، ونيّات طيبة، وإدراة مستمرة للصراع الدائم بين الإنسان ونفسه التي لا تنفكّ تشجّعه على ترك اليقين إلى الشكّ والريبة.
إذا ً فالعبودية تتضمّن حتماً كيفية التعامل مع الحياة وعناصرها المختلفة انطلاقاً من كوننا عباداً لإله يتّسم بصفات معينة فيحبّ منا أموراً ويكره أخرى كلّ في كتاب مبين.
وعلى عكس عبادة المخلوق، فإن عبادة الخالق تحرّر وفيض من الرحمة والنورانية، ففي عبادة الواحد الأحد المتفرّد بعظمته وجلالته مفتاح لترتيب الأولويات بشكل سليم وواضح، فلا المال فوق النزاهة أو صلة الرحم أو جبر القلوب، ولا التفاخر في العمران فوق بطون الفقراء الخاوية، ولا الشهادات فوق الأخلاق، ولا الحذر فوق الاندفاع لمساعدة محتاج، ولا الغضب والفحش فوق ضبط النفس واللسان، ولا تجزيء للمبادئ ولا مساومة عليها.
والأهم من ذلك، لا سلطان لل"ايغو" على علاقتك بخالقك، خاصة ذاك الذي يهمس في أذنك ليل نهار بأنّك صاحب العقل المعجزة القادر على الفهم والتحليل، والذي يستطيع فهم مكامن الأوامر والنواهي الإلهية وتمحيصها ثمّ تفنيدها وترتيبها إلى "مهم" و "غير ضروري"، وبعد ذلك يبرّر فعلته بكلّ عنجهيّة قائلاً: أليس العقل ما يميّز الإنسان والله يأمره بالتعقّل والتفكّر؟
العقل! أكبر آيات الله التي جعلها فينا أداة للتفكّر في خلقه والتقرّب منه والتواضع له، عندما نسرف في استخدامه لحدّ مفسد يصل بنا إلى إخلال التوازن بين الروح والمادّة، بين الماورائي والموجود، بين الإيمان والبرهان.
والحقيقة أنّ الهرم انعكس، فالإيمان بالخالق العظيم يستوجب اشتغال العقل لا في سبيل التشكيك (والتصحيح!) أو من باب التفكير النقدي، أينتقد المخلوق خالقاً آمن به وبكتابه؟ أم أن الحكمة تقتضي أن يوظّف العقل وفكره النقدي لفهم أعمق، وتصحيح مسار الأفكار المغلوطة التي أتى بها بشر آخرون وأضيفت باسم الدين وما أنزل الله بها من سلطان.
يجيء عيد الأضحى، ليذكّرنا بأننا عباد الله له مسلمون، له طائعون، مكرّمون، نخطئ ونزل ونخضع لغرورنا وتأخذنا العزّة بالإثم، ثمّ نتوب ونعود، ونتذكّر أن ما في الدنيا إلا حياة نعيشها مستمدّين كل أفعالنا وأساليبنا من عبوديّتنا لإله رحمن رحيم.
ربّنا اغفر لنا إسرافنا في ديننا وغرورنا في تعاملنا مع شريعتك التي ارتضيتها لنا لما فيه خير لنا في دنيانا وآخرتنا .. وارزقنا إيمان وعبوديّة إبراهيم وولده .. وألحقنا بالصالحين ..

Sunday, June 12, 2016

كنتم خير أمة .. !

} كنتم خير أمة أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر وتؤمنون بالله {


 ليس من الضروري أن أقول بأننا لم نعد "خير أمة أُخرجت للناس".  
ولن ندخل في معمعات التحليل الإجتماعي والإقتصادي والديني ، بل يكفينا أن نتوقّف عند هذه الآية ومدلولاتها كي نفهم حقيقة الواقع الذي نعيشه، فهي أساس كلّ التشعّبات الأخرى.

خير أمّة،
أفضل أمّة فيما بينها، متكاتفة تحكمها القيم والمبادئ، مجتمع صالح متعاون فيما بينه، يحمل الخير لنفسه ولجميع الناس من الأمم الأخرى . خير أمة إذاً هي أمّة خير في نفسها ، وأمة خير للآخرين. كالنور، نور في نفسه وينير ما حوله، نور على نور.
خير أمّة أخرجت، ليس من الناس فقط .  بل لهم ، أخرجت للناس لتكون قدوة، لتعمّر لا لتدمّر. أمّة إحتوائية لا إقصائية، تسعى لنشر الخير وإرساء القيم .

لكن، كيف ذلك؟ ما هي أهمّ صفات هذه الأمّة؟

} كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {

1-      تأمرون بالمعروف:
والمعروف هو اسم لكلّ فعل يُعرف حسنُه بالعقل أو الشرع. وخلافه المنكَر. تكونون خير أمّة عندما تتواصون بفعل الخير وإرساء القيم وتحكيم المبادئ التي أنزلها الله تعالى، من أجل الإرتقاء بأفراد المجتمع.


2-      وتنهون عن المنكر:
تنهون بعضكم عن ما حرّم الله، وكل ما يُعرف أنّه ضارّ بالفرد والمجتمع، في صحته وبيئته وسلامته ومصلحته العامّة.
(وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)
(والعصر . إنّ الإنسان لفي خسر . إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وتواصوا بالحقّ . وتواصوا بالصبر )
(أرأيت الذي يكذّب بالدين . فذلك الذي يدعّ اليتيم . ولا يحضّ على طعام المسكين . فويلٌ للمصلّين . الذين هم عن صلاتهم ساهون . والذين هم يراؤون . ويمنعون الماعون)
مجرّد الإمتناع عن الأمر بالمعروف كالحضّ على إطعام المساكين يعتبر خطيئة!

ولا ننسى هنا جزئية مهمّة في موضوع الأمر والنهي ألا وهي الأسلوب رحمكم الله.
(ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة)
بالحكمة أي بالعقل، أوضح له خير ما تأمره به، وشرّ ما تنهاه عنه، وليكن ذلك بأسلوب حسن ليّن سلس.
ولتخلص النيّة لله، فلا يكون في قلبك أو أسلوبك تعالٍ على خلق الله، بل لأنك تعلم بأنّ الحياة رحلة لها نهاية، وبعدها حساب، تريد أن تأخذ بأيدي من حولك لتذهبوا جميعاً إلى مكان جميل على سرر متقابلين . وهذا يتطلّب منك أيضاً أن تتقبّل النصح منهم وتتقبّل الإرشاد عندما تخطئ أو تسهى.

ولا تنسَ قوله تعالى : (أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)
إنّ المجتمع الذي يقوم على هذه الثنائية لن يقع في مصائب تدمّره، بل يبقى كالنسيج المتماسك المتناغم، فيه اختلاف محمود ضمن هامش يضيف الغنى إلى المجتمع، ويضفي عليه ألواناً تجعله أزهى وأكثر إنتاجية.
3-      وتؤمنون بالله:

الإيمان بالله تعالى يعني الإيمان برسالته التي أرسلها مع رسله الى العالمين . رسالة الإيمان به وباليوم الآخر، وبكل المبادئ التي نحتاجها للعيش بطريقة صحيحة. أقول صحيحة ولا أدخل في نقاشات سفسطائية من نوع ان الصحيح نسبي ويختلف من شخص لآخر (سنفصل في هذه الجزئية لاحقاً على أية حال).
فقد أرسل لنا الله تعالى الرسل ليرونا الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إيّاه في كلّ ركعة من صلواتنا.

 ولعلّ القصة تختصر في الآية:
 } كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البيّنات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم{ .
أنظروا أيضاً كيف تعلّق الإيمان بالنهي عن المنكر، لا بل وتغييره:
(من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)

ماذا حصل لنا حتى كسرنا هذه المعادلة ولم نعد "خير أمّة أخرجت للناس" ؟

نحمد الله على وجود فئة من الناس ما تزال تضع حداً للمنكر بيدها ولسانها، وتأمر بالمعروف، فالدنيا لا تخلو من الخير وأصحابه. 

لكن النسبة الكبيرة التي تتجاهل الموضوع وتقرر أن لا تتدخل، أن لا تدخل نفسها في مشاكل، أن تبقى سلبية تجاه الأحداث من حولها، هو أمر خطير جداً. أمر خطير لأنه يعني أن الخوف أو اللامبالاة يطغيان على المبادئ والقيم.  ما دام تدخلك في موقف ما سيحدّ من ضرره فاعتبره واجباً عليك وليس خياراً، ما دمت تستطيع .
عندما تصبح عبارة "أنا حرّ يا أخي أفعل ما أريد" قادرة أن تسكتك عن اتخاذ فعل لرد قائلها عن أمر خاطئ يقوم به، فاعلم ان لديك مشكلة في فقه الأولويات.  وأن نوراً في داخلك قد انطفأ.

وهذا يوصلنا الجدل القائم حول الحرّية الشخصيّة وتعارضها مع ثنائية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أولاً ، الحرية التي يتشدق بها المتأثقفون ليل نهار، ما إن أصبح تعريفها يعطي وازعاً للبعض بأن يقوم بما يضر ولا ينفع، فاعلموا بأنه تعريف مضلّل . 

الحرّية لا تعني أن تقوم بما تريد وقتما تريد. الحرية لا تعني أن تعيش كالبهيمة بين الناس. حتى البهائم التي تعيش في مجموعات تنصاع لقوانينها ولا أدري إن كانت تدرك أهمية هذا الانضباط والانصياع.
الحرية، هي ان لا يجبرك انسان على ان تفعل ما لا تريد. هي ان لا يسلبك أحد حقاً من حقوقك المستحقة لك كونك إنساناً. الحرية تكليف وتشريف، لأنها مسؤولية عظيمة، إن أسأت استغلالها ساهمت في الخراب، وإن أحسنت ساهمت في البناء.

ليس التحضّر أن تترك للناس ان تقوم بما هو خاطئ ولا تتدخّل أنت . ليس التحضّر والحرية ان تترك الناس تعيش كعنصر مخرّب في المجتمع الذي أنت جزء فيه . قد يجادل البعض بأن هذا الشخص حرّ فيما يفعله لنفسه ما دام ضرره لا يتعدّى فرده، قد لا تستطيع التدخل في هذا . لكن مهلاً . نحن "أمّة"، نغار على بعضنا البعض من الخطأ . وإن لم تكن هنالك من عقوبة لمن يضرّ نفسه تبقى النصيحة واجبة بأصولها وآدابها .
أضف إلى ذلك بأن المعروف والمنكر أمور غير مبهمة ، غير خاضعة لفلسفة سفسطائية تقول بأن الكلّ على حق لأن الفرد يرى الأمور من منظاره الخاص المتأثر بعوامل عديدة وبالتالي لا يوجد صواب وخطأ بالمطلق!
لعلّهم كانوا سيكونون على حق لو لم ينزّل الله رسله وكتبه ليعلّم الناس الحكمة والمبادئ التي يقيّمون على أساسها .
الفضائل -و عكسها القبائح-  أمور مطلقة تعرف بالقيم . والحرّية قيمة . فكيف يتعارضان؟


أنظر عزيزي القارئ وتفكر في سياق الآيات: 

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) 

الدعوة إلى الخير والمعروف. والنهي عن المنكر، هو لتوحيد صف الأمة وليس لتعزيز الإختلاف فيها، هو للتشجيع والإرتقاء الجماعي ، فالمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى كما أخبرنا رسولنا الكريم . بنيان واحد . كل فعل سلبي كان أم إيجابي تقوم به كفرد سيؤثر في الجماعة التي أنت جزء منها . وسيعود الأثر عليها . 

الله تعالى يريد أن يعلمنا كيف نكون مواطنين مسؤولبن وأعضاء فاعلين ايجابيين في مجتمعنا ، نساهم في الخير ونردع الشر ونترك أثراً طيباً .


أختم كلامي بآية أخرى مكمّلة لما سبق:
(وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)

عزيزي القارئ، ساهم أنت بنفسك بعائلتك بتربيتك لأولادك أن تكون صاحب مبدأ . أن تعرف المعروف والمنكر ثم تطبّق الآية على نفسك فتأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر ، قبل أن تطبّقها على الآخرين أيضاً .


صورة توضيحية من تصميمي


#الصدمة
لا أدري إن كنتم تتابعون برنامج "الصدمة" الذي يعرض الآن في شهر رمضان المبارك. لمن لا يعرفه، هو برنامج تلفزيوني عبارة عن كاميرا خفية، تصوّر مشهداً تمثيلياً جدلياً في مكان عام، لتلتقط ردات فعل الناس تجاهه - او انعدامها.
من الأمثلة على هذه التمثيليات رمي الأوساخ في مكان عام، سرقة مال من رجل كفيف، سوء معاملة ابن لوالده العجوز، عنصرية ضد ذوي الاحتياجات الخاصة او الخادمة ... الخ.
فكرة البرنامج رائعة، ودلالاته اكبر مما نعتقد.  ومتابعته كفيلة بإظهار الخلل عندنا حتى ما استحققنا أن نكون "خير أمة أخرجت للناس" .

Sunday, June 5, 2016

يا سيّدات! فلنتحدّث عن الحجاب - يسمح للرجال بالقراءة أيضاً


الحجاب ..




الموضوع الذي أصبح شائكاً أكثر من أي وقت مضى.
وذلك غالباً لكونه أحد المواضيع المتعلقة بحقوق المرأة، التي استفاق العالم فجأة لنصرتها، أحياناً كثيرة زيادة عن الحد المطلوب، حتى انقلب الى الضد.
ما علينا.

لعلّ السبب الذي دفعني لكتابة هذه المدوّنة الآن بالتحديد هو أنه خلال فترة قصيرة تحجّبت عدة فتيات وسيدات من محيطي، لا أستطيع تمالك نفسي من الفرحة عندما أسمع أو أرى خبراً كهذا، السبب غالباً هو أن أغلب الإناث في محيطي هم أصلاً في عمر يفكرن ويتخذن فيه القرارات بناء على أفكارهن الخاصة وبعد تفكير وتمحيص.

لا يعني هذا انني لا افرح للفتيات اللواتي يتحجبن طوعاً في سن اصغر، لكن القرارات المتعقلة من فتيات واجهن صعوبات وصراعات داخلية ليتخذن قرارات كهذه تلهمني وتثير إعجابي.
من جهة أخرى، في فترة سابقة، قررت فتاتان من صديقاتي خلع الحجاب بعد وضعه بفترة ليست بطويلة.
وطبعاً، كما تتوقعون، انهالت الانتقادات والاتهامات وتمت فبركة السيناريوهات التي يعجز عنها اكبر سيناريست مكسيكي لتفسير هذا الفعل المشين، وكل هذا طبعاً بأصوات خافتة دون أية مواجهة أو استفسار او سؤال بطيب خاطر من المقربين، او أقله صمت امتثالاً لحديث من يدعون الدفاع عن نهجه "قل خيراً أو اصمت".

غالباً، نميل كثيراً لأن نبدوا مثاليين في تديننا، أن نظهر دون شوائب، وأكثر طريقة تعجبنا للوصول إلى هذه الغاية هو التركيز على أخطاء وعيوب غيرنا. الموضوع برمّته أشبه بمن جهّز عرضاً مسرحياً وعندما وقف على المسرح أخطأ فأمر بإطفاء الأضواء عنه وإضاءتها على عامل النظافة بثيابه الرثة. لماذا هذا التشبيه بالذات؟

لأننا فعلاً نحاول أن نحضّر لحياتنا ومظهرنا أمام الآخرين كعرض مسرحي متقن لا تشوبه شائبة -والعياذ بالله!- وعندما نخطئ، يبدو الأمر كفشل لما خططنا له، جريمة لا تغتفر، لكن لا مشكلة! فالناس الذين يصدّقون مسرحياتنا هم غالباً من سيلهيهم منظر ثياب رثة عن فظاظتي التي تفوّهت بها على خسبة المسرح والتي شوّهت "برستيجي" أمام الجمهور.

 بالرغم من أنّ "كل ابن آدم خطاء"، وخطّاء صيغة مبالغة تفيد الكثرة، لماذا نصرّ على أن ندّعي ما لسنا عليه؟
ومن سوء حظ الفتيات في مجتمع يفكر –ويعيش!- بمنطق أعوج كهذا، هو أنّ الحجاب أمر ظاهر ملموس يمكن أن يسمح أي كان لنفسه بأن يقيسه ويقيّمها على أساسه على مختلف الأصعدة.

على كلّ حال،

لست بصدد الكلام عن الحجاب من منظور فكري فلسفي او موضوعي، فأنا أولاً لا أظن أنني قد توصّلت إلى ما يمكّنني من الاستفاضة في هذا الموضوع، وثانياً لأنّني لم أعد أجد بين ضجة الأفكار والنظريات والفلسفات على الساحة اليوم ما يعبّر عن حقيقة الحجاب –بمنظاري الشخصي- بشكل روحاني معنوي خاص. خاص جداً.
بصراحة، لا أكون أبالغ إن قلت أنني لم أجد في التفسيرات والاجتهادات -التي يغلب عليها المتكلم الذكر- أية صلة لمشاعري تجاهه.

لا أكف عن التفكير بأن أغلب الكلمات التي تتغنى بها الفتيات عن الحجاب هي كلمات شيوخ المنابر، ولا بأس بذلك إن كان هذا شعورهن الحقيقي تجاهه، لكن ما يزعجني جداً هو أن حدّة اللهجة المستعملة على المنابر وفي البيوت والطرقات وعلى جدران العالم الإفتراضي قد جعلت الأمر يبدو وكأنّ قيمة المرأة في حجابها، في لباسها، في هيأتها وشكلها. تماماً كما يفعلون في سائر الأمور، بدءاً من حصر دورها في الخدمة المنزلية انتهاءً بتشبيهها بالسكاكر والمصاصة والشباك الذي يحتاج إلى ستائر كي لا يدخل اللص الى المنزل (بالله عليكم هل من وضع هذا التشبيه يمكن أن يصنّف من الأسوياء عقلياً ونفسياً؟!) وغيرها من الأوصاف التي لا قدرة لي على تسطير تفسيراتها وأبعادها النفسية والإجتماعية والثقافية.

على أي أساس يسمحون لأنفسهم أن يأخذوا مركز الحكم مكان الحكيم القدير؟
بالنسبة إليّ، الذين يحتقرون المرأة غير المحجبة هم بنفس مرتبة الذين يطالبون بخلع الحجاب. الاثنان يحكمان ويسلبان من المرأة حقها المقدس في الاختيار.

والامر يذكرني بقصة مشابهة في موضوع الصيام، الناس الذين يشعرون بالاهانة ممن ياكل علناً في شهر رمضان. ما دخلك يا اخي؟!

هل الصيام عذاب تحتاج الناس ان تراعي مشاعرك خلاله وتحيطك بكل الظروف المناسبة كي تتخطاه؟ من أجبرك على الصيام ان كان منظر شخص يأكل سيزعجك ويخدش تقاك اللامتناهي؟
نفس الشيء بالنسبة للمؤمنات بالحجاب و يرتدينه. ما دخلك انت ان هي ارتدت ام لم ترتدِ؟ بماذا تضركِ؟ هل تتوقّعين أنّكِ بانتقادكِ أو استغابتكِ لها ستتقرّبين من الله زلفى؟ أم أنّ ملاحظاتكِ الفظّة ستقرّبها من مرتبتكِ في التقى والورع؟

اما الرجل، فحدّث ولا حرج.
بالمبدأ، انا ضد ان يتكلم الرجل في هذه الامور. مع احترامي لكل ذوي العلم، لكن الدنيا لم تخل من النساء، وان كان لا بد من التكلم في امور النساء الشرعية فلتتكلم معنا امرأة منا (من كوكبنا الوردي، نحن شعب عنصري بالمبدأ).

فالخطاب الذكوري في مواضيع تخص النساء زاد برأيي بشكل كبير من نفور الكثيرات، وشخصياً أجد الأساليب المعتمدة تزيد الأمر سوءاً، من التشبيه المذكور أعلاه للمرأة باللؤلؤة والمصاصة والسكاكر (ويظنون بأن المرأة ناقصة عقل فعلاً ليسكتوها ببضعة كلمات أنها حلوة كالسكاكر) الى جعله الحلّ لكل مشاكل المجتمع، ولوم المرأة السافرة او المحجبة التي لا تلتزم باللباس الشرعي على كل مصائب الأمة. ليس هذا فقط، بل و جرّدوا الحجاب من كل معانيه المعنية بالعبادة والروحانية والتسامي وحصروه بالأمور الشهوانية التي تعود وتؤكد على نظرة تشييء المرأة وتحميلها مسؤولية يتحمل نصفها الرجل -إن لم أقل أكثر.

على كل حال، هذه من تداعيات المجتمع الذكوري واسقاطاته على شرع الله، تداعيات ما أنزل الله بها من سلطان، حال البشر الخطّائين المغرورين.

دعونا من كل هذا الكلام،
لا أريد الكلام عن الحجاب من منطلق احكامه، وتوصيفه، وشرعيته ووجوبه، والحكمة من ورائه، فقد تركت هذا للمتناطحين يومياً على المنابر الاعلامية والافتراضية.

انا بصدد التعبير عن تجربتي معه. أليست هذه مدونتي الشخصية على أية حال؟
(هذا الجزء من المدوّنة مهدى إلى كل فتاة وسيدة يمتلك الحجاب في قلبها مكانة، سواء كانت محجّبة أم لا)


الحجاب...

في البداية عندما ارديته، كان تحت تأثير إيجابي و تشجيعي من محيطي، صديقاتي واهلي ومعلماتي في المدرسة. ولم يكن الامر صعباً البتة، اذ لم تكن ثيابي قبله الا محتشمة الى حد كبير نسبياً.
كان ذلك في اول الصف التاسع، في 11 اكتوبر تحديداً، يوم السبت.

لا ادري لماذا تفاجأ كثيرون عندما رأوني فيه، وكأنني قد بدلت ديني، او اصبحت شخصاً آخر! لكن لا أنكر بأن انفعالاتهم كانت لطيفة. حتى أنني كنت أنتظر ردّات الفعل هذه من الذين لم يروني فيه بعد. أختار الوقت المناسب لذلك، أو الطريقة المناسبة، ثمّ أنتظر تلك الابتسامة الواسعة، أو الصرخة ذات التردد العالي الشهيرة في حماس البنات. كم هي جميلة هذه المواقف، حتى الناس الذين لا تعرفينهم أو تقابلينهم قسراً في مكان دراستك أو عملك دون أن تكونوا على صلة مقرّبة، ستجدين أقلّه نظرات محبّة من بعيد وابتسامات دافئة، والكثير من المودّة.

لذلك احرصي عزيزتي إن نويتِ أن تقومي بمثل هذه الخطوة –والأمر ينطبق على أي تغيير في الحياة- أن تحيطي نفسكِ برفاق يدعمونكِ أول فترة. بعض التغييرات تحتاج لدفع في بداياتها لتنطلق بقوة واستقرار.
داخلياً شخصياً، منذ ارتديته، احسست بتغيرات كثيرة في حياتي البسيطة آنذاك. وهو غالباً انعكاس لتغيراتي الداخلية أيضاً.

أصبحت أحاول أن امثله، أو بالأحرى الصورة التي كوّنتها عنه وعن المرأة المحجّبة.
وهنا تأتي القاعدة رقم 2: انتبهي ممّن يعرّفونكِ عليه. الجميع مصدر للآراء والأفكار. احرصي على أن تجدي الأقرب لفكركِ.، والأقرب لما ترينه جديراً بشرع الله.

بالنسبة لي، لما ارتديته، شعرت بمجموعة من الاحاسيس المختلطة، لم استطع صياغتها حتى هذه اللحظة (بعد 8 سنوات نعم). ما احسست به هو كبت وتحرير في نفس الوقت.
احسست بأن الحجاب يفرض عليّ هيئة معينة تتشابه بين امرأة واخرى وتتباين ضمن هامش واسع من جهة أخرى.

سأوضّح.
احسست بأنني، سارة الجديدة، المحجبة، يجب أن تتميز بأشياء معينة عن سارة القديمة.
قاعدة رقم 3 :  هناك فرق شاسع، بين مقارنة حال الشخص نفسه قبل وبعد أمر ما، و بين مقارنة شخصين مختلفين على حالين مختلفين.
أحسست بأنّ علي ان أكون اكثر وقاراً، أكثر طيبة، أكثر انوثة، أكثر تميزاً في الامور التي احبها، أكثر ريادة، أكثر طموحاً ...

لا ادري مالعوامل الثقافية التي ولّدت لدي هذه الدلالات، لكن ما لا شك فيه هو أنّه الى حدّ كبير حرّرني. حرّرني لأنني عندما أرى نفسي بهيأته أستعدّ لأمور معيّنة، أستعد لأمارس دوراً، لأكبح أموراً أخرى، لأكون على قدر من النجاح بمعايير وضعتها لنفسي. الحجاب يسمح لك ان تقولي للجميع بأنك تريدينهم ان يعاملوك لا كجسد، لا كشيء، بل كفكر وعمل وانجاز. 
ألم يكن بإمكاني ان أخضع لهذا التغيير دون ان اتحجب؟
بلى طبعاً إن أردت.
لكن مزج التغيير الداخلي بالخارجي يعززه بشكل غريب. ألسنا نغير قصّات شعرنا عندما نريد تغيير مزاجنا او شيء ما في حياتنا؟

أضيفي إلى ذلك، أن الحجاب أيضاً، كان أول التزام فعلي في حياتي.

قاعدة رقم4: الحجاب هو التزام فعلاً، فيه بنود تبرمينها مع نفسكِ وقد تتغير مع الوقت منها ما يصبح غير ذو أهمية ومنها ما يضاف ويلقي رواسيه في العميق من القلب والروح. لا يعني ذلك أنكِ بالضرورة مستعدّة لهذه الالتزام أو أنه أمر مخيف أو مسؤولية مصيرية كما يقال لكِ. هو أمر تدبّرينه أنتِ ونفسكِ وربّكِ. أمر خاص على نحو غريب. أمر تستطيعين أنتِ وحدكِ أن تقرري مكانته في نفسكِ وتأثيره عليكِ وعلى حياتكِ.

لعلّ أظرف ما وجدت في الحجاب هو ذاك النوع من الأخوية. ذاك الأمر الاضافي الذي أتشاركه مع الفتيات مثلي. له بعد لطيف على حياة الفتاة منا. أنواع الشالات، ألوانها، موديلات لف الشال، الدبابيس، الثياب المناسبة، الطول، التنورة، الفستان، المحلات التي نشتري منها ثيابنا لأنها تبيع "كنزات طويلة فوق البنطلون" وغيرها الكثير الكثير.

الحجاب أيضاً يا عزيزتي تمثيل لأمّة..
شئنا أم أبينا، أختارنا الله لنمثّل الأمة (وحسب عدة دراسات قرأتها أن المرأة حكيمة أكثر في العلاقات الخارجية والدبلوماسية لا أستغرب حقيقةً)

 وهنا تأتي القاعدة رقم 5: مهما احتججنا على السيط السلبي الشائع عن المسلمين والحجاب، فلن يغيّره أحد غير المسلمين أنفسهم. تحديداً أنتِ التي ترتدينه. لكن اطمئني، ليس الأمر عبئاً لا طاقة لنا به، وليس تمثيلاً في الأمم المتحدة، هو تمثيل لجوهركِ الجميل، الذي يظهره ولا يحجبه.

الحجاب يمثلك أنت أولاً وأخيراً، لكنه أيضاً يعطي انطباعاً عاماً عما تجدينه مسموحاً ومقبولاً ضمن هذا الإطار. 


الحجاب ايضاً، تقرّب من الله. (لستنّ بحاجة لأقول لكنّ هذا على أيّة حال!)
ولا أعني بذلك مجرد وضع الشال على الشعر او الالتزام باللباس الشرعي. السلوك طبعاً عامل مهم.
لكن ما أعرفه أنّني اجتزت منذ زمن طويل أيّة رغبة في الاهتمام المبالغ والتحسّر على عدم إظهار أجزاء من جسدي كغير المحجبة، حتى في اشد الايام حراً، وأمام أكثرهنّ جمالاً.
لا يعنيني الأمر ابداً، ولا تعلق لدي بعدها بالمادية التي تحيط بهذا الامر.
بالطبع، ما زلت أهتم بلباسي وشكلي، لكن هنا ضمن إطار مختلف، أعمل ايضاً على تأطيره أكثر والتسامي به الى مراتب اعلى، لكن بشكل عام، الابتعاد عن المادية، تقرّب من الروحانية.


ختاماً،
أعزائي القرّاء،
الحجاب أمر أنثوي بحت، نراعي ميلكم لإبداء الآراء فيه، لكن بشكل عام، غير مرحّب بها. خاصة صراخاً من فوق المنابر.

أمّا عزيزاتي القارئات،
الذنب ذنبكنّ،
دائماً ما أقول بأنّ المرأة هي المشكلة والحلّ في آن معاً. أنتِ المشكلة عندما لا تكونين أنتِ أو تربّين على الأقل بناتكِ أن يصبحن فقيهات في الدين لينكلّموا عن أمور النساء.
أنتِ المشكلة عندما لا تقفين مع أختكِ بل تهاجمينها لتظهري أفضل منها.
أنتِ المشكلة عندما تظهرين الحجاب بصورة بشعة، إما تشدداً يتسم بالإقصاء، إما تفلّتاً يوحي بالمادية.
وأنتِ الحلّ لا أحد غيركِ عندما يكون لكِ فكر ووعي تقيّمين على أساسه وتختارين بكامل إرادتكِ وتشجّعين أخواتكِ على الخير وتأخذين بأيديهنّ عندما يقعن في ضيق أو مشكلة على طريق الاستنارة.

لكن بعد كلّ هذا، فلنكن واقعيين،
توازن الحياة أنتِ!