Sunday, September 11, 2016

في الأضحى .. عبوديّة!

عيد الأضحى .. 

من أكثر المناسبات الإسلامية "طقوسية"، وطقوس الأضحية مستوحاة من قصة خليل الله إبراهيم الذي ابتلي أيّما بلاء ..
تأتي الآيات التي تحكي قصة الذبح والفداء بعد قصّة إبراهيم مع قومه وتحطيمه أصنامهم، متحمّلاً كلّ العواقب، والقذف في النار والتعذيب، فأيّ موقف أشدّ من هذا إثباتاً لإيمانه؟
(إنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ )

(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ *)
ورزقه الله تعالى بالغلام الحليم الصالح، ثمّ ابتلاه فيه،
( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)
وارتاب إبراهيم من المنام، وظنّ أنّه من الشيطان لهول ما فيه، فاتّجه إلى ولده يسأله:
( فَانظُرْ مَاذَا تَرَى)
يظهر لنا الله تعالى في سرده لنا لهذه الجزئية عظم الموقف وقوة وقعه على نبيّه إبراهيم الحنون على ولده ككل البشر، وكم يؤسفنا أن نرى كيف أنّ كثيراً من المفسّرين يتغافلون عن الجانب البشري للأنبياء في الابتلاءات العظيمة ..
( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ )
تأكّد لإبراهيم أنّ المنام أمر من الله وأقبل عليه في القصّة المعروفة.
لكن ما يستوقفنا هو موقف ولد إبراهيم (الذي ترجح الروايات أنه إسماعيل عليه السلام)، ما هذه الصياغة الحانية! الولد يحنّ ويعطف على أبيه ويعرف هول الموقف عليه، ويقبل بتنفيذ الحكم عليه ما دام من الله، ويعده بأن يصبر على الألم! فهو يعلم معنى منام النبي، وهو مؤمن بالله الواحد الرحيم، لم يشكّك في الأمر، ولم يعمل العقل ليقول بأن ما كان لله أن يأمرنا بمثل هذا، فالقرابين في وقتها كانت رائجة في الديانات السائدة ..

( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)
أسلما .. أسلما أمرهما لله، فالأب يسلم أمره ويعضّ على الجرح راضياً، والابن مستسلم لسكين أبيه تنفيذاً لأمر الله .. وأيّما تسليم .. أيّما عبوديّة!
 ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)
قد صبرت وأسلمت وصدّقت الرؤيا يا إبراهيم، قد وصلت إلى أعلى درجات الإيمان فاستحققت أن تكون من المحسنين.
 ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ)
 ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)
إنّه من عباد الله المؤمنين ... عبوديّة ... إيمان ...


إن كان من الضروري أن نختار أكثر أمر يميّز الأديان السماوية، والإسلام على وجه الخصوص، بإيديولوجيته العقائدية فسيكون غالباً متمحوراً حول مفهوم "العبوديّة" ، وكل مواصفاتها، وآدابها، وحدودها.
كيف لا، وشعار الإسلام هو توحيد العبودية، وتوجيهها لمعبود واحد مع استثناء كل ما سواه عن هذه الأحقية: لا إله إلا الله.
ويلاحظ أن كل قصص الأنبياء والصالحين والدروس المستفادة منها تدور في فلك الإيمان الذي ينتج العبودية تحصيلاً حاصلاً.
فالإيمان هو ما وقر في القلب من تصديق متسامٍ عن المادة والتفصيل والتعقّل الزائف الذي يدّعي الكمال ويتهم ما سواه بالنقص. هو التصدسق بكلّ الجوارح وهو مكمن الدوافع التي تؤدي بالإنسان إلى الدفاع عما يؤمن به، أو تمثيله كما يجب، أو بالإخلاص في ممارسة ما ينص عليه.
أمّا العبودية فهي تتضمّن الحقل المعجمي لكل ما يتعلّق بالعلاقة بين عابد قبل بها ومعبود استحقها. وهذا يشمل الإيمان بالمعبود وبأحقيته بالعبادة دون سواه وبصفاته التي يتعالى بها على كل مخلوق، ومن جهة أخرى يتضمّن الأفعال التي يقوم بها العبد من باب التقرّب والتعرّف إلى ربّه أكثر من شعائر وطقوس وأعمال صالحة، ونيّات طيبة، وإدراة مستمرة للصراع الدائم بين الإنسان ونفسه التي لا تنفكّ تشجّعه على ترك اليقين إلى الشكّ والريبة.
إذا ً فالعبودية تتضمّن حتماً كيفية التعامل مع الحياة وعناصرها المختلفة انطلاقاً من كوننا عباداً لإله يتّسم بصفات معينة فيحبّ منا أموراً ويكره أخرى كلّ في كتاب مبين.
وعلى عكس عبادة المخلوق، فإن عبادة الخالق تحرّر وفيض من الرحمة والنورانية، ففي عبادة الواحد الأحد المتفرّد بعظمته وجلالته مفتاح لترتيب الأولويات بشكل سليم وواضح، فلا المال فوق النزاهة أو صلة الرحم أو جبر القلوب، ولا التفاخر في العمران فوق بطون الفقراء الخاوية، ولا الشهادات فوق الأخلاق، ولا الحذر فوق الاندفاع لمساعدة محتاج، ولا الغضب والفحش فوق ضبط النفس واللسان، ولا تجزيء للمبادئ ولا مساومة عليها.
والأهم من ذلك، لا سلطان لل"ايغو" على علاقتك بخالقك، خاصة ذاك الذي يهمس في أذنك ليل نهار بأنّك صاحب العقل المعجزة القادر على الفهم والتحليل، والذي يستطيع فهم مكامن الأوامر والنواهي الإلهية وتمحيصها ثمّ تفنيدها وترتيبها إلى "مهم" و "غير ضروري"، وبعد ذلك يبرّر فعلته بكلّ عنجهيّة قائلاً: أليس العقل ما يميّز الإنسان والله يأمره بالتعقّل والتفكّر؟
العقل! أكبر آيات الله التي جعلها فينا أداة للتفكّر في خلقه والتقرّب منه والتواضع له، عندما نسرف في استخدامه لحدّ مفسد يصل بنا إلى إخلال التوازن بين الروح والمادّة، بين الماورائي والموجود، بين الإيمان والبرهان.
والحقيقة أنّ الهرم انعكس، فالإيمان بالخالق العظيم يستوجب اشتغال العقل لا في سبيل التشكيك (والتصحيح!) أو من باب التفكير النقدي، أينتقد المخلوق خالقاً آمن به وبكتابه؟ أم أن الحكمة تقتضي أن يوظّف العقل وفكره النقدي لفهم أعمق، وتصحيح مسار الأفكار المغلوطة التي أتى بها بشر آخرون وأضيفت باسم الدين وما أنزل الله بها من سلطان.
يجيء عيد الأضحى، ليذكّرنا بأننا عباد الله له مسلمون، له طائعون، مكرّمون، نخطئ ونزل ونخضع لغرورنا وتأخذنا العزّة بالإثم، ثمّ نتوب ونعود، ونتذكّر أن ما في الدنيا إلا حياة نعيشها مستمدّين كل أفعالنا وأساليبنا من عبوديّتنا لإله رحمن رحيم.
ربّنا اغفر لنا إسرافنا في ديننا وغرورنا في تعاملنا مع شريعتك التي ارتضيتها لنا لما فيه خير لنا في دنيانا وآخرتنا .. وارزقنا إيمان وعبوديّة إبراهيم وولده .. وألحقنا بالصالحين ..

2 comments:

  1. ماشاء الله مقالة جميلة جدا، فكر عميق وراقي، وكلمات معبرة ومؤثرة
    :)الله يفتح عليك ويبارك فيك

    ReplyDelete
    Replies
    1. وبكِ بارك الله :) شكراً لذوقكِ.

      Delete